خيرالله خيرالله / القذّافي ووهم اسمه الدور الإقليمي...
1 يناير 1970
07:42 م
هناك وهم اسمه وهم الدور الإقليمي. دول صغية ذات امكانات محدودة تسعى إلى لعب هذا الدور عن طريق استخدام الأموال أحياناً أو الإرهاب في أحيان أخرى، عندما لا تكون هناك أموال. الأكيد أن «جماهيرية» معمر القذّافي لم تكن وحدها ضحية هذا الوهم الذي يمكن أن يطيح، لحسن الحظ، أنظمة أخرى في المنطقة.
بعدما قرر المجتمع الدولي الانتهاء بالقوة من نظام القذّافي أو على الأقلّ حصره بطرابلس والمنطقة المحيطة بها في انتظار الاجهاز عليه، يبدو منطقياً التساؤل ما هو الدرس الذي يمكن استخلاصه من الحدث الليبي؟ الجواب بكل بساطة أن هناك دروساً عدة يمكن استخلاصها وليس درساً واحداً يمكن تعلمه وحفظه عن ظهر قلب بعد كل ما شهدته ليبيا في أقل من شهر. لكن هناك درساً واحداً في غاية الأهمية لا مفر من ابقائه في الذهن. يتمثل هذا الدرس في أن على الدول الصغيرة، مهما كانت غنية ومهما اعتقدت أن في استطاعتها لعب أدوار على الصعيد الإقليمي الاهتمام بشعبها ورفاهه أولاً. تكمن مشكلة العقيد القذّافي في أنه لم يعرف يوماً أن ليبيا مجرد دولة صغيرة، على الرغم من مساحتها الشاسعة، وأنها لا تمتلك ما يسمح لها بلعب أدوار تفوق حجمها. عاش في وهم الدور وهو يدفع حالياً ثمن هذا الوهم... بل ضحيته.
باسم الحفاظ على الاستقرار في منطقة شمال افريقيا وتدفق النفط الليبي، أعطى المجتمع الدولي، على رأسه الولايات المتحدة واوروبا، ليبيا- معمّر القذّافي فرصة لإعادة تاهيل نفسها بعد رفع العقوبات الدولية عنها. لم يحسن الزعيم الليبي استغلال تلك الفرصة. اعتقد أنه يستحيل على العالم الاستغناء عنه. لم يقدم على أي إصلاحات من أي نوع كان تشير إلى أنه مهتم بشعبه. استمرّ في إهمال ليبيا والليبيين على الرغم من أنه استعاد في مرحلة معينة القدرة على التعاطي مع المستجدات الدولية بما يسمح له بإدراك أن العالم تغيّر وأن ليس في استطاعته ممارسة عملية هروب مستمرة إلى أمام تقوم على الظهور في مظهر أنه صاحب دور على المستويين الإقليمي والعالمي.
تمكن القذّافي، بفضل ذكائه الفطري وبعض مساعديه الذين احتكوا بالولايات المتحدة والغرب عموماً، فهم أن لا مكان في العالم لدولة صغيرة تعمل من أجل تخزين أسلحة الدمار الشامل والوصول إلى امتلاك السلاح النووي. دعا مساعديه في العام 2003 إلى فتح كل ما لديهم من ملفات متعلقة بأسلحة الدمار الشامل بعدما اكتشف أن الولايات المتحدة على علم بكل الجهود التي يبذلها من أجل تخزين أسلحة كيماوية ومن أجل الحصول على التكنولوجيا التي تسمح له بانتاج قنبلة نووية. نزع القذّافي ورقة التوت حتى. طلب من مساعديه القبول بكل ما يطلبه الأميركيون من دون طرح اسئلة من أي نوع كان. بدا الزعيم الليبي وكأنه بدأ يتعاطى مع العالم ومع موازين القوى السائدة فيه بطريقة علمية وواقعية بدليل أنه انتهى من قضية الممرضات البلغاريات بعدما تبين له أن المشكلة في النظام الصحي المتخلّف في «الجماهيرية» وليس في ممرضات أجنبيات اتهمن زوراً بحقن المواليد بجراثيم تؤدي إلى إصابتهم بمرض فقدان المناعة (ايدز). هناك باختصارعرب شرفاء ساعدوا القذّافي في تلك المرحلة على تجاوز مرحلة ما بعد العقوبات الدولية التي فرضت على ليبيا بسبب قضية لوكربي.
كان مفترضاً في «الجماهيرية» التي انتفض الليبيون في وجهها أن تعي أن العالم تغيّر فعلاً وأن ذلك يستوجب إصلاحات حقيقية تؤدي إلى مصالحة بين الشعب و«القائد». اعتقد القذّافي الذي كان يعشق تسمية «القائد» أن الولايات المتحدة استسلمت له وأن اوروبا تقبل يده بدليل أن رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني فعل ذلك. لم يستوعب أن ذلك لا يغنيه عن التصالح مع شعبه.
ليست اوروبا وحدها التي خذلت القذّافي بعدما استقبلته في الأحضان. ليست اوروبا وحدها التي سعت إلى تصفية حسابات قديمة معه من منطلق أن الرجل استعاد عاداته القديمة وأن من المستحيل إصلاحه.
كانت الصدمة الأكبر تلك التي تلقاها الزعيم الليبي من افريقيا التي اعتقد أنه وضعها في جيبه بعدما نصّب نفسه «ملكاً لملوكها». لولا العضويا الافريقيان في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وهما جنوب افريقيا ونيجيريا، ما كان للقرار الذي صدر عن المجلس وحمل الرقم 1973 ليمرّ. ومن دون القرار ما كان ممكناً للقصف الذي تتعرض المواقع العسكرية التابعة للقذّافي أن يحظى بغطاء الأمم المتحدة. كان القرار الذي فرض حظراً جوياً على ليبيا يحتاج إلى الصوتين الافريقيين. استجابت جنوب افريقيا ونيجيريا لإرادة أميركا وفرنسا وبريطانيا. فالبلدان ينتميان إلى العالم الحقيقي، حيث لكل دولة مصالح خاصة بها، وليس إلى العالم الذي في مخيلة معمّر القذافي.
عاجلاً أم آجلاً ستنتصر ليبيا على «الجماهيرية» التي تمثل نظاماً لا علاقة له من قريب أو بعيد بما يدور في العالم أو بالموازين الدولية. يبقى السؤال هل تبقى بلداً موحداً، هل تدخل مرحلة الحروب الأهلية التي حذّر منها، عن حقّ، سيف الإسلام القذّافي؟ الأكيد أن الكثير سيعتمد على ما تريده أميركا واوروبا. حتى إشعار آخر أن ليبيا بلد نفطي مهم. من أجل النفط، كان مسموحاً للقذّافي بإلقاء خطاب طويل في الأمم المتحدة وأن يمزق ميثاقها أمام زعماء العالم الذين راحوا يضحكون من منطلق أن المشهد مسلّ ليس إلاّ. تبين أن من يضحك حقيقة هو من يضحك أخيراً... وأن العالم على استعداد لغض الطرف عن تصرفات أي زعيم ما دام يعرف أصول اللعبة الدولية ويعرف خصوصاً أين الحدود التي يجب أن تتوقف عندها الدول الصغيرة! لم يعرف القذّافي، الذي لم يتعلّم شيئاً من مجيئه إلى المدينة، كيف يفرّق بين الحقيقة والوهم!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن