لا بأس أن يبحث الإنسان عن مصلحته وأن يسترسل في ذلك، ولكن من النزاهة في نفسه ومن الاستقامة في سلوكه أن يبتعد عن التمسُّح بالإسلام حين تدعوه مصلحتُه إلى ذلك، لأن أيَّ دين سواء أكان الإسلام أو المسيحية أو غيرهما يلزمه حدٌّ أدنى من النقاء في القلب والعمل معاً، لذلك لم يكن مستساغاً قول الزعيم الليبي ان الضربات الجوية الغربية لبلاده هي حرب صليبية على الإسلام مادمنا للأسف أجزنا ذلك بقرار عربيّ وشنَّفَ مسامَعنا الشيخُ (القرضاوي) حين أفتى بالخروج على القذافي! دعونا نتفق أولاً أن ما تتناقله وسائل الإعلام عامة والمرئية خاصة يمكن أن يكون مُوَجَّهاً في حالات معيَّنة، وليس هذا التسييس أو التعتيم الملوَّن للمادة الإعلامية أمراً مستحيلاً أو مستغرباً حين ننتبه إلى الأسباب والدوافع التي من شأنها أن تجعل أكثر وسائل الإعلام في العالم واقفةً عند خطوط حمراء يكون تجاوزها أشبه بالتَّهور وأحياناً أقرب للانتحار؛ حين تلتقي المصالح في اتجاهات معينة سيكون من السهل تمرير ما يُرادُ تمريره واستثناء ما يراد استثناؤه، وتبعاً لذلك وبعد كل فترة زمنية تخرج إلى الأضواء أسرار سياسية واجتماعية وفنية كانت قبل تلك الفترة حِكراً على جهات خاصة، وأصبحت فيما بعد مُشهرةً وربما ظهرت على شكل فضائح، إذن ليس من الوعي الاستسلام لشاشات التلفزة الفضائية، والأَوْلى أمام السياسيين والمراقبين والمثقفين وصفوة المجتمع التريُّث والنظر إلى الأحداث بعمق، فكلنا قبيل الأحداث المرتبطة بثورتَيْ تونس ومصر تابعنا باهتمام أسراراً وفضائحَ نشرتها «ويكليكس» حول دول الشرق والعرب خاصة، وكان توقيتها آنذاك محلَّ تساؤل، لكن جوليان أسانج صاحب ومؤسس موقع «ويكليكس» اعترف بخوفه من النفوذ اليهودي داخل الولايات المتحدة الأميركية وهذا ما دفعه لتجنب نشر وثائق إسرائيل، وقال بكل وضوح: «بدأنا في البداية بنشر وثائق تتعلق بدول أخرى وعندما انطلاقنا واصلنا نشر الكثير من الوثائق التي بحوزتنا ولا يستطيع أحد الآن أن يغير وجهتنا ولو نشرنا معلومات حساسة منذ البداية لاضطررنا لحرف مسارنا»، وأضاف: «إن اليهود يمتلكون قوة كبيرة في الولايات المتحدة حيث يحتفظ الكثير منهم بهويتهم الإسرائيلية وهم أصحاب نفوذ وأن لإسرائيل وأميركا مصالح مشتركة في الشرق الأوسط». لا يمكننا تجاهل ما يُستخدم عبر الإعلام الغربي وعدم ربطه بما يحدث الآن في بلاد العرب، وإن لم يكن لنا قدرة تؤهلنا بعد الرصد والبحث والتخطيط لاتخاذ قرار عربي يصب في مصلحة الأمة فالوقت قادر أن يكشف الحقائق لمن يُنكرها ولكن بعد فوات الأوان! وفي الشأن الليبي وكما اعتاد العالَم أن يسمع كانت استجابت مجلس الأمن ودولِهِ دائمة العضوية حازمةً وسريعة! وكيف لا تكون سريعة جداً ما دام القرار لا يمسُّ إسرائيل، لقد تباينت ردود أفعالنا تجاه الثورات وكعادتنا لم تستيقظ جامعة الدول العربية حين الثورة في تونس، وللأسف دست الجامعة رأسها في التراب حين الثورة في مصر واستفاقت جامعتُنا العربية الآن لِتُسوِّغ لأميركا وفرنسا بريطانيا التدخل في الشأن الليبي ثم تعود بعد أن وقع الفأس بالرأس لِتَنْدُب حظَّها، هذا إن لم يكن حضور معظمِنا في الجامعة العربية فقط لتوفير غطاءٍ للتدخل الأجنبي وكان ذلك، أما الغطاء الديني فهو متوافر من قَبْلُ وحسب المقاس! لِيُشرعن كل ذلك شيخُ الإسلام القرضاوي فيقول: «ان ضرب أميركا وفرنسا وبريطانيا... لمواقع ليبية كان بقرار أُمميّ» مبرراً ما حدث! ولو سكت القرضاوي لكان سكوته من ذهب، علينا أن نقول: نعم للثورة على كل ظالم، ويجب أن نقول: لا لفتح الأجواء أو الأبواب للأجنبي، وللإعلام بمختلف ألوانه دور خطير في صياغة الفهم للأمور وبناء ردود الأفعال.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]