خيرالله خيرالله / «أبو مازن» بين الفيتو الأميركي... والفيتو الإيراني!

1 يناير 1970 07:40 م
هناك رجل واضح اسمه محمود عبّاس (أبو مازن) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية المنتخب. انتخب «أبو مازن» مباشرة من الشعب رئيساً للسلطة الوطنية بعدما قدّم برنامجاً شجاعاً يستند أساساً إلى رفض عسكرة الانتفاضة. يرفض رئيس السلطة الوطنية أي نوع من العسكرة للانتفاضة من منطلق أنّ السلاح لم يجلب على الفلسطينيين سوى الويلات، خصوصاً منذ خريف العام 2000 حين فشلت «قمة كامب ديفيد» بين ياسر عرفات وبيل كلينتون وايهود باراك. إلى الآن، لم يتخلّ «أبو مازن» عن البرنامج الذي قدمه إلى الفلسطينيين والذي سمح بانتخابه رئيساً للسلطة الوطنية خلفاً للراحل ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني.

تكمن مشكلة «أبو مازن» في أن العرب لم يتعودوا على الوضوح، لذلك، هناك دائماً من يحاول المزايدة عليه، خصوصاً أن المزايدة تأتي على حساب الشعب الفلسطيني الذي لا يشكل بالنسبة إلى عدد لا بأس به من القيادات العربية سوى وقود يستخدم في معارك جانبية لا علاقة للفلسطينيين بها من قريب أو بعيد. على سبيل المثال، وجد في القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في سرت (ليبيا) من يأخذ على «أبو مازن» تخليه عن «المقاومة». هنا لا يخفي رئيس السلطة الوطنية في حديث علني عن الأحداث التي شهدتها «قمة سرت» أنه طلب من الزعماء العرب عندئذ اعتماد خيار «المقاومة» في حال كانوا قادرين على ذلك، مؤكداً استعداد الفلسطينيين للسير خلف هذا الخيار. كان الجواب الذي صدر عن أحد الزعماء العرب المزايدين من الذين يحلفون ليلاً نهاراً بـ «المقاومة» الآتي: «لا تفهمنا غلط، إننا ضد المقاومة المسلحة». كل ما في الأمر أن هناك من يريد التحدث عن «المقاومة» من دون أن يأخذ في الاعتبار أن الجبهات العربية كلها مغلقة باستثناء جنوب لبنان الذي يسعى «حزب الله» ومن هم خلفه إلى التعامي عن الحقيقة المرة المتمثلة في أن (القرار 1701) الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي وافق الحزب المسلح على كل كلمة فيه إنما يلغي «المقاومة» ويحولها إلى ميليشيا مسلحة ليس إلاّ. هل صدفة أن جبهة الجنوب اللبناني هادئة منذ العام 2006 وذلك للمرة الاولى منذ العام 1969 تاريخ توقيع «اتفاق القاهرة» المشؤوم؟

يقول «أبو مازن» في لقاء قبل أيام مع مجموعة من الصحافيين في لندن أنه لا يمكن أن يقبل عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بيبي نتنياهو القاضي بإقامة دولة فلسطينية «ذات حدود موقتة»، حتى لو طلب منه الجانب الأميركي ذلك. لا يخفي أن الوضع الفلسطيني صعب، لكنه يؤكد أن لا خيار أمام الفلسطينيين في المرحلة الراهنة سوى متابعة بناء مؤسسات الدولة المستقلة التي سترى النور يوماً. ما يمارسه رئيس السلطة الوطنية هو المقاومة الحقيقية التي لا تصب في خدمة الاحتلال بل تعمل على التخلص منه. ربما كان ذلك السبب الذي يدفع بعض العرب إلى معاداة «أبو مازن» واستخدام حركة «حماس» في عملية ممارسة الضغوط عليه. هنا أيضاً يشرح رئيس السلطة الوطنية كيف أن «حماس» تهاجمه بسبب الفيتو الأميركي الأخير في مجلس الأمن. حال الفيتو دون صدور قرار عن مجلس الأمن يدين الاستيطان. لم يسحب الجانب الفلسطيني مشروع القرار الذي قدمته المجموعة العربية بالنيابة عنه على الرغم من الاميركيين طلبوا ذلك مراراً. يروي «أبو مازن» أن الرئيس باراك اوباما اتصل به شخصياً طالباً سحب مشروع القرار. كان الرد الفلسطيني أن ذلك غير ممكن خصوصاً أن النص المستخدم هو نص أميركي عائد إلى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. ذهب الرئيس الأميركي إلى حدّ إبلاغ «أبو مازن» أن عدم سحب مشروع القرار «عمل عدائي». لم يتراجع الجانب الفلسطيني. لا ينكر «أبو مازن» أن لا وجود للسلطة الوطنية الفلسطينية لولا المساعدات الأميركية والاوروبية. لكن ذلك لا يمنعه من قول كلمة لا لواشنطن عندما تتطلب مصلحة الشعب الفلسطيني ذلك. في النهاية، تستطيع السلطة الوطنية التصدي للفيتو الأميركي. هل تستطيع «حماس» الاعتراض على الفيتو الإيراني الذي يمنعها من توقيع وثيقة المصالحة الفلسطينية؟ يطرح «أبو مازن» هذا السؤال ويترك الجواب للصحافيين المحيطين به...

قليلون هم الزعماء العرب الذين يتحدثون بلغة علمية. «أبو مازن» أحد هؤلاء. ما الذي يجعله قادراً على قول رأيه من دون مواربة؟ يسأل رئيس السلطة الوطنية نفسه هذا السؤال ثم يجيب بقوله ان السبب عائد إلى أنه غير متعلق بالكرسي. قد يكون ذلك صحيحاً وقد لا يكون. الأكيد أن صراحة «أبو مازن» عملة نادرة في عالمنا العربي. الأكيد أيضاً أن للرجل أخطاء كثيرة من بينها ابتعاده عن الناس وعدم قدرته على التعاطي مع الإعلام بالمفهوم العام بما يتيح له شرح وجهة نظره في مختلف انحاء العالم. كذلك، لا يمكن التغاضي عن أن رئيس السلطة الوطنية لا يحسن في أحيان كثيرة اختيار مستشاريه. بين هؤلاء من هو جيد ولكن هناك بينهم من يجعل المشاهد العادي ينفر من فلسطين والفلسطينيين بمجرد ظهوره على شاشة التلفزيون ومباشرة الادلاء برأي ما...

في كل الأحوال، هناك ظاهرة اسمها «أبو مازن». هناك من يحبه وهناك من يكرهه. أهم ما في هذه الظاهرة أن هناك رجلاً لا يستغبي أبناء شعبه عن طريق بيعهم الأوهام من نوع وجود ورقة اسمها «المقاومة». يريد باختصار وضع حدّ للمآسي الفلسطينية وأن تكون أرض فلسطين أرضاً غير طاردة لأهلها. تلك هي المقاومة الحقيقية التي يمكن أن تهزم الاحتلال يوماً.





خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن