إن ثورة 25 يناير المصرية وانعكاساتها قد كشفت عن الكثير من الانتهاكات اللا انسانية التي كانت تحدث للمعتقلين السياسيين في السجون والمعتقلات المصرية، خصوصا في ما يدور في سلخانات التعذيب بمقار امن الدولة، فهناك العشرات من اسماء المتوفين في السجون المغلقة والمتهم فيها العشرات من ضباط التعذيب الذين هم الان من ضمن القائمة السوداء.
جاء ذلك من خلال جلسة استماع عقدتها ستة مراكز حقوقية في الاسكندرية وهي «مركز الشهاب لحقوق الانسان» و«مركز النديم» و«مركز ضحايا» و«جميعة بلدي المصرية»، و«جمعية المساعدة القانونية». هذا وقد روى المعتقلون مأساتهم الحقيقية امام هذه الجمعيات، شرحوا فيها كيفية اعتقالهم وتعرضهم لأبشع انواع التعذيب طيلة الـ20 عاما دون توقف من دون اي سند قضائي او محاكمة عادلة، انها احداث واقعية مروعة حصلت في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وانتهك فيها ابسط حقوق الانسان تعلن للمرة الاولى! افاد المسجونون بما حدث في سجن ابو زعيل وكيف قام رئيس المباحث بحرق المصاحف «القرآن الكريم» وامره بالسجود لصورة الرئيس المخلوع حسني مبارك والطواف حول شجرة في المعتقل! اضافة الى اجبار السجناء على الشرب من مياه ملوثة من ترعة الاسماعيلية، واستشهد جراء ذلك قرابة الثمانين سجنيا، بل وهناك من دخل السجن وهو في ريعان شبابه وخرج منه بعد قضاء سبعة عشر عاما، فلم يرَ اسرته طوال هذه الفترة إلا بعد ان افرج عنه، وللحديث عن سجن ابو زعبل يعجز اللسان عن سرد انتهاكاته اللا انسانية، فقد كانت ادارة السجن تعامل السجناء كالحيوانات لا كهرباء ولا ماء ولا غذاء صحي، فيسقط البعض منهم شهداء وضحايا التعامل الوحشي داخل السجن فلا يوجد حمامات ولا نظافة بل الصراصير والحشرات الضارة، والديدان كانت تغطيها فماذا يكون حال السجناء ان منعوا من النوم والراحة او حت اقامة الصلاة، وماذا يكون الحال عندما تملأ الزنزانة بمياه المجاري ذات الرائحة الكريهة والمياه العفنة، لقد حرموا السجناء من الطعام الذي به ملح حتى يفقدوا الكالسيوم من اجسامهم حتى اصبحوا ضعفاء ووقعت جميع اسنانهم، كما حرموهم من اشعة الشمس والخروج من الزنزانة حتى اصيب الكثير منهم بتشنجات وحالات صرع.
حالات تعذيب، حالات وفيات، حالات فقدان، اعتقالات من دون ذنب، جميعها كان المسؤول الاول عنها هو اللواء محمود وجدي حينما كان قائدا لمصلحة السجون المصرية خلال تولي الرئيس المخلوع حسني مبارك، والسؤال هنا: لماذا تم تعيين اللواء محمود وجدي وزيرا للداخلية بعد ثورة «25 يناير» الشعبية، وهو الذي كان شاهدا علي تعذيب ودفن المئات من الشهداء المساجين في عصره، نريد ان نسأله عما كان يحدث في سجن ابو زعبل وليمان طره او ما يسمى بالعقرب، الذي تم افتتاحه في عام 1993، وكيف تعذب ومات ثمانية معتقلين في زنزانة العقرب من اصل سبعة واربعين معتقلا سياسيا، فالضابط المجرم الذي كان يتولى مهمة التعذيب كان يشترط على السجناء ان يتجردوا من ملابسهم او يستروا عوراتهم عن طريق لبسهم بدلة من خيش، ناهيك عن نوعية الاغتصابات الجنسية الفظيعة والتي تجعلهم في حالات نفسية سيئة يضربون من خلالها عن الطعام حتى الموت! احد ضباط المباحث يقول للمتهمين: «لو الواحد حبس حمار كان مات»، وبكل اجرام قام الضابط بجمع جميع المصاحف الموجودة في الزنزانات واحرقها امام اعينهم وهم مكبلو الايدي والارجل فقط بسبب رد احد المعتقلين عليه بقوله: «احنا معانا كتاب ربنا»! فضلا عن استهزائه بالدين الاسلامي الحنيف وتلفظه بكلام لا يقبله اي مسلم على وجه الارض، وطلبه الغريب بالسجود للرئيس المخلوع، وعلى الرغم من افعاله المشينة بحق السجناء الابرياء يقوم الرئيس المخلوع باعطائه وسام شرف في احد اعياد الشرطة، ياللعجب!
اما في سجن «الوادي الجديد» فكان مسؤول السجن يستهزئ على التسليم في الصلاة بأقوال لا يصح ذكرها، وكان الحلاق يدخل على المساجين الابرياء ليحلق شعرهم ورؤوسهم وحواجبهم وذقونهم وصدورهم، فباالله عليكم ما الذي بقي منهم!! ويتم ضربهم بمواسير من حديد، هذا بالاضافة الى اجبارهم على المشي عراة كالحيوانات، بل وكان الضابط المسؤول يأمر السجناء بتغيير اسمائهم الى اناث وهناك الكثير والكثير... نعم كان المتهم السياسي يدخل مقر امن الدولة المصري في عهد الرئيس المخلوع حتى لا يخرج منه ابدا إلا وهو شهيد عند ربه، وما كشفه ائتلاف المراكز الحقوقية في مصر هو القليل من الكثير بحق نوعية الانتهاكات التي كانت تدار هناك، فقائمة العار التي شملت ضباطا في الداخلية متورطين في قضية التعذيب بحق المساجين السياسيين تؤكد تماما ان هناك جملة من الانتهاكات لحقوق الانسان المصري، وبناء عليه نتمنى من خلال هذه التجاوزات والفساد ان يلقي هؤلاء المتهمون المتورطون قصاصهم العادل في مصر او في المحاكم الدولية ليكونوا عبرة لغيرهم... ولا يفوتنا في الختام إلا ان نشيد بالقرار الاخير الذي اصدره المجلس العسكري الحاكم في مصر والمتعلق بتجميد نشاطات جهاز امن الدولة وذلك نزولا عند رغبة الشعب المصري والذي عانى من هذا الجهاز الويلات وتضليل الرأي العام بأكمله.
ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]