محمد صالح السبتي / المعارضة المفتعلة

1 يناير 1970 08:08 م
أعتقد يقيناً أن سر نجاح أي عمل أو أي شخص يكمن في وجود أصوات معارضة منتقدة، لأن الطبيعة البشرية اعتادت على تجنب أصوات الانتقاد وبالتالي تلافي الخطأ خوفاً من الذم... لذا كانت المعارضة عملاً مهما لضمان نجاح أي عمل، أو أي شخص في عمله.

وتجنح المعارضة أحياناً إلى الانتقادات غير المنطقية أو المبالغ فيها أو إلى الافتعال لتحقيق مآرب أخرى، وقد يكون هذا الافتعال تحقيقاً لعوامل نفسية بحتة.

كيف تكون المعارضة تحقيقاً لمآرب نفسية؟ بعض البشر يحب أن يعيش دور الشجاعة مثلاً والإقدام، ولأنه يسمع عن قصص الشجاعة أو يحفظ بعض أشعارها ومقولاتها لكنه لا يجد متنفساً لعيش هذا الدور، فما ان يقع خلاف بينه وبين أحد أصدقائه أو مع زوجته حتى يبادر لعيش هذا الدور ويتمثل بالأشعار أو المقولات التي يحفظها، وكأنه داخل في حرب وينسى أنه في هذه الحالة يضع الشيء في غير موضعه... فليست هذه المواقف مكاناً لأعمال الشجاعة.

كثير من الناس كرماء ويحبون الكرم والعطف، لكنهم أحياناً يضعون الكرم في غير موضعه ومثله البخل.

معارضتنا السياسية اليوم فيها هذا الخلل النفسي، كثير من أعضائها يحبون أن يعيشوا دور البطولات لردع الظلم وقيادة الجماهير في الثورة على الاستبداد، وهم يحفظون بعض عبارات الثورات وأشعار الحماسة في مثل هذه المواقف، ولأنهم يحبون أن يعيشوا هذه الأدوار تجدهم يجنحون بالمعارضة في بلادنا إلى غير مواضعها، ويضخمون الأمور رغبة في إشباع حاجياتهم النفسية.

أعرف يقيناً، كما يعرف غيري، أن حكوماتنا أخفقت في كثير من المواقف بل في أغلبها، لكن ما أعرفه أيضاً أن المعارضة لم تنتهج النهج الصحيح، وليس لها إلا الانتقاد فقط بدليل أننا لم نسمع إلى الآن عن أي مشروع مقدم من المعارضة لحل أي أزمة، أعني بالمشروع، المشروع المتكامل من واقع مسؤولية وصدق... مشكلات البلد كثيرة... أين هي حلول المعارضة لها؟ أم أن المعارضة لا تعني إلا الانتقاد والتوبيخ فقط.

في وقت مناقشة تعديل الدوائر الانتخابية شاركت في إحدى الندوات وقلت وقتها انني لا أفهم كيف تكون الدوائر الخمس تقليلاً للفساد، وذكرت أن في الدوائر الخمس حكراً للنجاح على القبائل والأحزاب أو التجمعات، وقلت انها دعوة جاءت وانساقت إليها الجموع دون وعي لرغبة المعارضة فقط، أما الدعوة فإنها مجرد وهم... وأثبتت التجربة بل ودعوات المعارضة الآن أنهم كانوا يعارضون من أجل الانتقاد ليس إلا، وليس من أجل الإصلاح، كما أثبتت التجربة أن الدوائر الخمس لم تقلل الفساد الانتخابي بل ومن الممكن أنها زادته. مثلها الدعوة إلى كون منصب رئيس الوزراء شعبيا... لست أفهم كيف يكون هذا وازع إصلاح، هل هذا يعني أنه لن يأتي أحد من الشعب ليكون رمزاً للفساد؟

أغلب اطروحات المعارضة اليوم بعيدة كل البعد عن المنطق والعقلانية بل والإصلاح أيضاً، وليست المعارضة اليوم إلا تحقيقاً لرغبات نفسية في عقول أصحابها للعيش بدور الثوار والإصلاحيين، وتخيل الاستبداد والظلم.

أكرر ما قلته بداية انني على يقين أن أي عمل لن ينجح دون وجود معارضة ونقد، لكن هنا أقول أن ما لدينا ليست معارضة أبداً، وعموم المجتمع غير راض عن أدائها، لا دفاعاً عن أداء الحكومة بل دفاع عن أصول المعارضة والإصلاح.





محمد صالح السبتي

كاتب كويتي

[email protected]