مشاهد / الغناء الوطني
1 يناير 1970
06:05 م
| يوسف القعيد |
لا تتصور أنني سأكتب الآن عن الغناء الذي سمعناه في ميدان التحرير خلال 18 يومًا من التظاهر المستمر... فتلك تجربة أمامها فترة قد تطول أو تقصر قبل أن تدخل لمرحلة التدوين والحفظ في ذاكرة التاريخ.**
لكن الشيء بالشيء يذكر... وحدث الحاضر يمكن أن يستدعي للذهن أحداث الماضي، وغناء تحرير 2011 جعلني أستعيد غناء يوليو 1952... من خلال أمسية جميلة ودافئة قضيتها منذ فترة ليست طويلة في أكاديمية الفنون. أحضر مناقشة رسالة دكتوراه كانت مقدمة حول أغاني يوليو.
وكنت قد حضرت في معهد النقد الفني بأكاديمية الفنون مناقشة طويلة استغرقت أكثر من أربع ساعات لرسالة الدكتوراه عن الغناء الوطني في زمن عبدالناصر، الذي مازلت أصر على أنه الزمن الأجمل في تاريخنا المعاصر. عنوانها العلمي «المتغيرات السياسية في الأغنية الوطنية المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين.. دراسة تحليلية نقدية».. صاحبة الرسالة التي كانت تسمى الباحثة حتى لحظة إقرار بحثها فأصبحت الدكتورة ناهد عبدالحميد، وأشرف على الرسالة الدكتورة سهير طلعت، وشاركتها الإشراف الدكتورة سهير عبدالعظيم. أما مناقشة الرسالة فقد تناوب عليها الدكتورة هدى زكريا والدكتور فوزي الشامي.
أسعدني وأشجاني تسجيل مدته نحو عشرين دقيقة عبارة عن مونتاج لأغاني عبدالناصر بالصوت والصورة. وكلها طبعًا بالأبيض والأسود. الذي أرى له جمالاً لا توفره لي كل الألوان الطبيعية التي نراها في صور زماننا، أغاني عبدالناصر كانت مرتبة زمنيًا ومرتبطة بالأحداث التي عبرت عنها.
ومن الطبيعي أن تبدأ الباحثة من التاريخ ووقائعه وأحداثه التي مرت بها مصر خلال مرحلة الدراسة. ونقطة البدء هي: الأحداث التاريخية التي مرت بها مصر من «1952 ـ 1956» والحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي طرأ على مصر واحدثته ثورة يوليو، الاسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى قيامها وأهدافها ودور جمال عبدالناصر في ترسيخ مبادئ الجمهورية، بعد إسقاط النظام الملكي السابق وإقامة النظام الجمهوري، والأحداث السياسية المهمة التي حدثت في تلك الفترة مثل اتفاقية الجلاء وصولاً إلى تأميم قناة السويس العام 1956 وما ترتب عليه من العدوان الثلاثي على مصر في العام
ذاته.
ثم الأحداث منذ 1958 حتى 1967.. بداية من الوحدة العربية بين مصر وسورية العام 1958، ثم الانفصال العام 1961 مرورًا ببناء السد العالي ووصولاً إلى نكسة يونيو 1967. وحرب الاستنزاف العام 1969، وجهود جمال عبدالناصر لإزالة آثار نكسة يونيو ثم رحيله المفاجئ العام 1970.. وتولي أنور السادات الحكم، وحرب أكتوبر 1973، ثم معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية في «كامب ديفيد» في مارس 1979، وصولاً إلى اغتيال الرئيس السادات وتولي الرئيس السابق محمد حسني مبارك في 14 أكتوبر 1981.. وبداية مرحلة الاستقرار السياسي النسبي، وعودة أرض سيناء بالكامل العام 1982، وفترات توليه الحكم حتى 11 فبراير 2011.
نشأت الأغنية الوطنية عند قدماء المصريين والعصرين القبطي والإسلامي وصولاً إلى مصر الحديثة في عهد محمد علي العام 1805، وبداية متغيرات سياسية مهمة، حيث كانت هذه الفترة ذات طابع سياسي مختلف ترتب عليه الاهتمام بالموسيقى العسكرية بوجه خاص والاستعانة بالخبراء الموسيقيين الأجانب من أجل العمل على نهضة الموسيقى المصرية.. إن فترة حكم محمد علي وخلفائه بمثابة المتغير السياسي الأول في تاريخ مصر الحديثة التي أثرت في تطور الأغنية الوطنية، ثم مجيء الثورة العرابية العام 1882، التي كانت المتغير السياسي الثاني المهم في تاريخ تطور الأغنية الوطنية، حيث ظهرت الأناشيد الوطنية التي تحمل أسماء قادة الثورة العرابية مثل أغنية:
عرابي طلبه عبدالعال
يا بن بلدي يا فلاح
هاتوا توفيقة الإنكليزية
زفوا توفيقة للسفاح
ثم هزيمة عرابي وما ترتب عليها من تطور آخر جديد في الأناشيد والأغاني الوطنية، وحادثة دنشواي العام 1906، التي كانت بمثابة المتغير السياسي الثالث الذي أثر في الأغنية الوطنية وتطورها.. فقد راح ضحية هذا الحادث الكثير من الأبرياء المصريين على يد جنود الاحتلال الإنكليزي، ونتيجة لهذا الحدث ظهرت المواويل الدرامية الوطنية، منها على سبيل المثال موال «شنق زهران» وغيره، ثم جاءت ثورة العام 1919 بمثابة المتغير السياسي الرابع، حيث بـدأت الأغنية الوطنية تأخذ منحى جديدا مـن خلال ظهور «سيد درويش» مع سعد زغلول لثورة 1919، ودوره في إيقاظ الوعي والحس الوطني لدى المصريين، وظهرت العديد من الألحان الوطنية بمختلف أشكالها وألوانها وتجاوب الشعب مع هذه الألحان وانفعل بها، فأدت الأغنية الوطنية دورًا
وظيفيًا مهمًّا تجاه الشعب المصري في هذه المرحلة المهمة في تاريح مصر الحديث.
وعندما تصل الباحثة إلى التعريفات التي لا بد منها تقول إن الأغنية الوطنية هي التي تعبر عن روح الشعب وهمومه وأحلامه وتتجه لمخاطبة هذه الروح وحثها على المقاومة والتغيير. والأغاني الوطنية السطحية التي تتمسح في ذكرى الانتصارات يجب أن تخرج عن دائرة الأغاني الوطنية الحقيقية، فتلك الأغاني ليست لها قيمة من الناحية الشعورية أو الفكرية.
ومن أنواع الغناء الوطني الأغنية الوطنية العاطفية، والحماسية، والانتقادية الساخرة والاحتجاجية، والموال الوطني وغيرها... ومن أهداف الأغنية الوطنية خلق روح الابتكار والتعبير الصادق عن الأحداث الوطنية السياسية التي يمر بها الوطن وبث روح الحماس والشجاعة والتضحية ونفوس النشء.
إذا نحن أمام ثلاثي محكم الحدث التاريخي: تأثر الشعب به وانفعال الفنان بالأثر الناتج عن الحدث وتعبيره عن الانفعال بالغناء. الغناء نفسه يمر بأكثر من مرحلة: كلمات ينشدها شاعر، ألحان يضعها موسيقار، ثم حنجرة مطرب تحول الكلمة المغناة أو اللحن القائم على كلمات إلى أصوات تجري وراءها الجماهير.