محمد فضل العجماوي / الدلع في المعارضة... والاستعباط في النضال

1 يناير 1970 05:25 م
كثيرون من المعارضين عندنا كانوا ولا يزالون كالحواة (جمع حاو، وهو من يستخرج الأفاعي من جحورها بحيل من السحر والمهارات الخاصة)، يجيدون اللعب بالبيضة والحجر، ويتقنون المشي على الحبال، ويتمتعون بمهارات عالية في قول كلام تستطيع أن تستنبط منه المعنى وضده، فهو كالجاكيت الذي يلبس على الوجهين، ممسكين في ذلك بالعصا من وسطها انتظارا لمعرفة الموجة العالية ومن ثم ركوبها والوثوب عليها. وإذا أردت التعرف على مثل هؤلاء المعارضين فراقب جماعة «ولكن» التي كانت في بداية الثورة تشيد بمشروعيتها، ثم تستدرك سريعاً بالخوف على البلد من الفوضى، والخشية من الانجرار نحو هوة المجهول والفراغ السياسي الذي من المحتمل أن يحدث إذا تنحى الرئيس السابق.

جماعة «ولكن» نفسها هذه تجدهم الآن جميعاً «ثورجية قراري»، ومجاهدين قدامى، ومناضلين قضوا زهرة شبابهم في السجون بعد أن قادوا مظاهرات الطلاب والمظاهرات العمالية ومظاهرة 1919م والثورة الفرنسية والبلشفية أيضاً! على الرغم من أنهم كانت خلال ثلاثين عاماً كاملة معارضين «من منازلهم»، تربى الفساد وترعرع أمام أعينهم، وساد الاستبداد بمباركتهم، فكانوا هم أصدقاء الفاسدين، وأعوان المستبدين، وإذا حصل أن فتح الله على احدهم بلحظة شجاعة فكنت تجد صوته كمواء القطة الصغيرة، لا يكاد يسمع، وإذا سمعته فإنك لا تكاد تستبين مصدره.

إلا أن ما يثير الغثيان في نفسي أنك تجد بعض هؤلاء المعارضين يستنكرون جرائم الأنظمة الديكتاتورية مثل قتل المتظاهرين بإطلاق الرصاص الحي على رؤوسهم، ويرفضون اعتقال السياسيين لعشرات الأعوام من دون محاكمة ولا يحزنون بقولهم: « ده مينفعش، وميصحش»، وكأنهم يتوجهون بحديثهم إلى طفل يجذب قطة من ذيلها، أو يمسك بيده عود ثقاب محاولا إشعاله. وكأن اللغة العربية بقاموسها الضخم الكبير قد خلت من كلمة جريمة، وكلمة وحشية، وكأن معجم ألفاظهم الذي حصلوه في حياتهم التعليمية دائر بين «ما ينفعش وما يصحش»!

هذه اللغة المخنثة في التعبير عن الرفض والإدانة، وهذا الكلام المائع المهلهل مثل ثوب درويش هائم على وجهه، إنما يدل على أن مصر لم يكن بها أحزاب معارضة حقيقية، ولا مثقفون جادون، وأن هؤلاء وذاكم لا يزيدون عن كونهم أرزقية يتخذون من المعارضة «سبوبة»، والرزق يحب «الخفية»، وهو ما كان سبباً رئيساً في علو فرعون وهامان وجنودهما، واستتباب الأمر لهم، وإهالة التراب على وجه مصر حتى أنكرها أهلها، وهو ما يستوجب على أبناء الوطن المخلصين ضرورة التعايش مع المرحلة الجديدة بنفوس أبية، وهمم شابة، وقلوب لا تعرف اليأس أو الخوف، ورؤية واضحة لا يشوش عليها تخاذل الجبناء، ولا تثبيط أدعياء الحكمة الأغبياء، فإن لم نفعل فلا أمل في مستقبل، ولا رجاء في إصلاح، لأن جينات الفرعنة تجري في عروق كل من يجلس على الكرسي الكبير حتى لو كان يظهر في صورة يوسف الصديق.



محمد فضل العجماوي