علي محمد الفيروز / إطلالة / أزمة إيران النووية

1 يناير 1970 11:22 م

في خطاب ألقاه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لقيام الثورة الإسلامية في إيران، أكد أن بلاده لن تتراجع قيد أنملة عن حقها في تطوير برنامجها النووي بطريقة سلمية، كما أعلن عن مفاجأة من العيار الثقيل بإعلانه عزم إيران إطلاق صاروخين جديدين، بتكنولوجيا عالية، إلى الفضاء خلال الأشهر المقبلة، وذلك بعد نجاح منقطع النظير في اختبار إطلاق الصاروخ الأول، والانتهاء من مرحلة تصميم طائرات حربية لا تكشفها الرادارات المتطورة، وبذلك تكون إيران قد دخلت تاريخ تكنولوجيا الفضاء من أوسع أبوابه، ويأتي هذا تزامنا مع احتمال اعتماد قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يحمل عقوبات جديدة على إيران بسبب تمسكها بتطبيق حقها في الطاقة النووية، وفي الوقت نفسه هناك تقرير من المتوقع صدوره خلال الأيام المقبلة، صادر من الوكالة الذرية الدولية، يتضمن الأسئلة التي أثيرت في الآونة الأخيرة عن أنشطتها النووية المثيرة للجدل، والسؤال هنا: ماذا لو جاء تقرير الوكالة في صالح إيران بامتلاكها الطاقة النووية، وهل يكون التقرير المقبل بمثابة شهادة لصك البراءة أمام اعتراضات الدول العظمى التي تسعى نحو تشديد العقوبات على إيران؟

إن إيران مصرة على رفض مطالب الأمم المتحدة بوقف أنشطتها النووية، وتؤكد على حقها في تطوير أنشطة تخصيب اليورانيوم في معامل نتانز وغيرها عن طريق تعاونها مع خبراء روسيين وصينيين متخصصين في مجال الطاقة النووية والتكنولوجيا الصاروخية، الأمر الذي أثار قلق الأسرة الدولية لا سيما بعد نجاح تجربة إيران الخاصة في إطلاق أول صاروخ فضائي، وصواريخ أخرى بعيدة المدى في المستقبل القريب، ناهيك عن صواريخ فتاكة عابرة للقارات طويلة المدى يصل مداها إلى ألفي كيلو متر، وتطويرها أيضا أجهزة الطرد المركزية الحديثة لتساعد على تطوير منتجاتها النووية، وهو ما يعطي انطباعا عدائيا للاتحاد الأوروبي يجعله يقوم، في خطوة جديدة، بتطبيق العقوبات على إيران، على اعتبار أن هذه التكنولوجيا العالية المستخدمة لإطلاق أقمار صناعية يمكن أن تستخدم أيضا لإطلاق الأسلحة!

لقد تعاملت إيران، عبر وسائل إعلامها، بتحفظ شديد مع العالم الخارجي، وذلك حفاظا على سرية المعلومات الدقيقة وحفاظا على خطتها الدفاعية، بيد أن هذه المؤشرات النووية والتكنولوجية السريعة تعطي دافعا قويا لفرض قوتها وهيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، ولمواجهة الأعداء الذين يهددون مصالحها النووية بين حين وآخر، فالضغوط الدولية على ملف إيران النووي لن تتوقف، على الرغم من وجود تقارير رسمية من الوكالة الذرية التي تؤكد طبيعتها السلمية في جميع مشاريعها النووية، والخطوات السياسية التي اتخذتها القوى الكبرى ضد إيران بعيدة كل البعد عن مضمون تقارير الوكالة الذرية التي يرأسها البرادعي، الأمر الذي يؤكد عدم مصداقية هذه الدول وانحرافها عن المسار الصحيح، فيبقى السؤال هنا: هل تسير القوى الكبرى على الطريق السليم حينما تتجه إلى الاتفاق نحو قرار جديد لتغليظ العقوبات على إيران، أم أن التقارير الرسمية التي تنجزها الوكالة الذرية ليس لها قيمة في كل مرة؟ ففي هذا السياق يؤكد مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، حينما التقى المسؤولين الإيرانيين، أن إيران تسير في الطريق الصحيح نوويا، مشيرا إلى أن المفاوضات معها لتسوية ملفها النووي حققت تقدما ملحوظا. فإذاً أين المشكلة الآن؟ وقد دعت إيران الوكالة لعدم الرضوخ لضغوط الدول الكبرى كونها تتعامل مع مسؤولي الوكالة بشفافية تامة، نعم إن إيران بحاجة إلى أن تقدم تأكيدات بشأن سلمية جميع أنشطتها النووية الحالية حتى توفر المناخ الملائم الذي يتم من خلاله تجاوز المواجهة المحتملة في مجلس الأمن الدولي، لذلك دعا الرئيس الإيراني محمود نجاد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تتم أداء مهامها وفقا للقرارات الدولية دون التأثير عليها من أطراف أخرى تحدها عن مسار دورها الحقيقي، على اعتبار أن بلاده هي طرف الحوار الوحيد معها بشأن برنامجها النووي، هذا وقد تعهدت إيران أيضا أن تستجيب لجميع المسائل العالقة والغامضة بشكل كامل حتى ينتهي الجدال الدولي على ملفها، وتعزز الثقة بينها وبين الوكالة، وبالتالي لا يوجد مبرر بأن يبقى ملف إيران النووي في مجلس الأمن لمدة أطول! والسؤال الآخر هنا: لماذا تتجه الولايات المتحدة نحو تضخيم ترسانة إيران النووية، والقول ان إيران تشكل تهديدا لدول المنطقة بينما تتجاهل نشاطات إسرائيل في ترسانتها النووية؟ نجد أننا بحاجة إلى جواب!

في موقف آخر لرئيس الوكالة الذرية محمد البرادعي عند لقائه الرئيس المصري حسني مبارك أكد البرادعي أن الحل الأمثل لمشكلة ملف إيران النووي يتمثل في تطبيق المفاوضات المتعددة الأطراف بين طهران والمجتمع الدولي، مشيرا إلى أن هناك جزءا كبيرا من تلك المشكلة تتعلق بالأمن الإقليمي، في حين لقي البرادعي سخرية كبيرة من وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس ونائب رئيس الوزراء الروسي سيرغي إيفانوف حينما دعا موسكو وواشنطن إلى نزع ترسانتيهما النوويتين، بقولهما: «العالم كله يشير إلينا، نحن وأنتم، باعتبارنا مسؤولين عن كل شيء»! نعم كان البرادعي على حق حينما دعا الولايات المتحدة وروسيا أن يجعلا من نفسيهما مثالا يحتذى به في مجال نزع السلاح باعتبارهما مالكين لأكبر ترسانتين نوويتين في العالم! ولكن كالعادة: «هناك أشياء لا تتغير أبدا» وهي الجملة التي قالها غيتس مازحا!

أما من جانب آخر، فإن الرئيس الأميركي جورج بوش يعتقد أنه بسياسته قد نجح في إقناع دول الشرق الأوسط بالخطر الذي تمثله إيران، ورأى أن العقوبات المفروضة على طهران بدأت تؤتي ثمارها من خلال تأثيرها على الاقتصاد الإيراني وتطبيق سياسة العزلة عن العالم، وفي الوقت ذاته لا تستبعد إيران هجوما أميركيا عليها قبل نهاية ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش، وقد حذر نائب رئيس الأركان العامة للجيش الإيراني اللواء غلام رشيد، (كنوع من التحدي) من أن مثل هذا الهجوم سيجابه برد مدمر من جانب القوات المسلحة الإيرانية، وقال: «وجود الرئيس بوش في البيت الأبيض حتى ما قبل نهاية 2008 يجعل من غير المستبعد قيام الإدارة الأميركية الحالية بشن عمل عسكري ضد إيران.» مضيفا بأن التهديدات الأميركية بدأت تتصاعد وتيرتها في عهد الرئيس بوش وبعد انتصار الثورة الإسلامية.

وعلى ضوء ما طرح نستخلص بأن رد الفعل الأميركي تجاه ملف إيران النووي يقابله الرفض الشديد للحل العسكري الذي سوف يدمر المنطقة كلها، وقد كان الرئيس المصري حسني مبارك صريحا في تصريحاته الأخيرة عن إيران حينما رفض الحل العسكري لإنهاء أزمة إيران النووية، محذرا من أن: «توجيه أي ضربة عسكرية لإيران سيؤدي حتما إلى انتشار الإرهاب وتهديد المصالح الأميركية في العالم كله»!

لذلك ومن الضروري إيجاد حل سلمي لأزمة إيران النووية حفاظا على أمن واستقرار المنطقة... و«كفاية حروب». ولكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز


كاتب وناشط سياسي كويتي

[email protected]