فهيد البصيري / أدركوا مصر
1 يناير 1970
08:29 م
رحمك الله يا محمد بوعزيزي، أشعلت النار في نفسك في المغرب العربي، ووصلت نارك إلى المشرق العربي، فقامت مظاهرات هنا ومظاهرات هناك، ومواطن يحترق هنا ومواطن يشتعل هناك، وصارت تونس الخضراء حمراء، وقامت مصر (أم الدنيا) تلطم، ولم يتبرع أحد من اللبنانيين بحرق نفسه فأحرقوا الإطارات، والحبل على الجرار واللهم أخر ساعة البلاء واحشرنا مع المتظاهرين الأبرار.
ولكن ماذا يحدث، وماذا يريد المصريون، وماذا يضمر اللبنانيون؟ لقد فهمنا ما يريد الشعب التونسي، وقال الرئيس التونسي فهمتكم! ولكنه لم يفهم إلا بعد 23 حولا! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد تكالبت الظروف على العالم العربي ولم تدع له مجالاً للتحول الهادئ، فظروف الأزمة الاقتصادية، وغلاء الأسعار العالمي، وانتشار البطالة، وجمود الأنظمة العربية وتسلطها الذي وصل إلى حد منع المواطنين من قول (آآه)، ووسائل النشر الاستعمارية الكافرة! (كالفيس بوك) و(التويتر) و(الويكي يا ليكي) و(اليو تيوب) الله يتوب علينا وعليكم، كشفت المستور وأحيت ما في الصدور، وشاهد العالم العربي نفسه عارياً على الهواء مباشرة وأصبحت الأنظمة العربية ليس بينها وبين الموطنين حجاب ولا نقاب.
وإذا زدنا الطين بلة واعترفنا أن أغلب الدول العربية بلا مؤسسات دستورية، ودون آلية لتداول السلطة ودون المستوى في كل شيء، وإذا أضفنا ثلاث ملاعق شاي كبيرة من التخلف، وقدرا كبيرا من الفقر، وأطنانا من القهر، وقولوا معي ونفسا كريها من التطرف، تكون الطبخة قد استوت وليس أمام المواطن العربي إلا أن يشق جيبه، ويخرج عارياً إلى الشارع يهتف بسقوط السقف على رأسه!
ولن أدخل في تحليل أسباب هذه الانفجارات السياسية، فالموضوع لا يحتاج إلى تحليل فقد تحللنا والسلام، وكل دولة لها مشاكلها الخاصة وطبيعتها الأكثر خصوصية، ولكننا في العالم العربي نشترك في خاصية واحدة وهي أننا عرب.
ولكن مصر المحروسة شيء مختلف فمصر ليست لبنان ولا تونس ولا الكويت ولا أي دولة عربية أخرى مع تقديري للدول العربية من أولها لآخرها ومن أصغرها لأكبرها، فمصر هي ثقل الأمة العربية، وعمودها الفقري، وصاحبة الرقم الصعب في الصراعات العربية الدولية، وهذا هو قدرها على مر التاريخ العربي والإسلامي، وإذا ما انهار النظام المصري على طريقة النظام التونسي أو العراقي فقولوا على أم الدنيا وعلينا السلام، وعليكم أن تتصوروا العالم العربي أمام إسرائيل وأمام إيران وأمام الغرب والعالم دون مصر!
ومطالب المتظاهرين أغلبها جوهرية إلا أن المظاهرات لوحدها ودون رؤية سياسية متكاملة لا تجلب سوى الفوضى، والإصلاح السياسي على الطريقة الأميركية في العراق يعني العودة للوراء، وخسائر لا تحتمل، وأعوام من الضياع ومن العذاب الذي ليس له نهاية، ومشكلة مصر أنها ذات تركيبة طائفية صارخة، ومسلموها مسلمون بالفطرة إن لم يكن بالغريزة، ومصر ليست أم الدنيا فقط بل أم الجماعات الإرهابية، وأم العلم والعلماء وأم التخلف والمتخلفين وأم المتناقضات وأم عجائب الدنيا! وأخشى على المتظاهرين أن يكونوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فأنا لا أرى أمام المتظاهرين سوى أمرين أحلاهما مر إما الارتماء في أحضان الجماعات الإسلامية المنتظرة على أحر من الجمر، أو العودة لحكم العسكر، وهنا تصبح يا أبو زيد كأنك ما غزيت! وتصبحوا على ما فعلتم نادمين.
والحقيقة أن دوام الحال من المحال، وبقاء الوضع السياسي في مصر على حاله مستحيل في حكم المنطق والتاريخ، وسياسة العناد والاعتماد على القوة لم تنفع روسيا عندما كانت دولة عظمى وركنا من أركان الدنيا، وليس أمام الحكومة المصرية، أو أي حكومة عربية أخرى في الطريق لا سمح الله، سوى الاستجابة لمطالب المتظاهرين المنطقية، وتقديم التنازلات الممكنة، وإشراك شعوبها في المسؤولية من خلال التحول الهادئ إلى الديموقراطية الفعلية لتجنب الدخول في مرحلة الفوضى البناءة! وللحد من تأثير التدخلات الخارجية، وللخروج من هذه المحرقة السياسية بأقل الخسائر.
فهيد البصيري
كاتب كويتي
Albus.fahad @hotmail.com