خيرالله خيرالله / على جنبلاط الرحيل... كونه صدى الكنيسة المارونية!

1 يناير 1970 02:41 م

مسموح لبعض اللبنانيين والعرب أن يستغربوا الكلام الأخير للنائب وليد جنبلاط أحد أركان حركة الرابع عشر من آذار عن ضرورة الطلاق «الحبّي» مع «حزب الله» نظراً إلى استحالة التعايش والحوار معه. الجاهل معذور دائماً. الواقع أن جنبلاط كرر في حديثه إلى الزميلة نجاة شرف الدين عبر «أخبار المستقبل» الثلاثاء الماضي، ولكن على طريقته، ما سبق للكنيسة المارونية أن أعلنته قبل أسابيع عدة عن صعوبة استمرار لبنان بوجود دولة داخل الدولة فيه وفي ظل وجود فريق مسلح يستخدم هذا السلاح في فرض أرادته على اللبنانيين الآخرين.

كان كلام الزعيم الدرزي واللبناني صدى لما تقوله الكنيسة. جاء رد السيد حسن نصرالله عليه بعد ثمانٍ وأربعين ساعة من صدور كلام جنبلاط بدعوته إلى الرحيل عن لبنان بمثابة دعوة غير مباشرة إلى رحيل الكنيسة المارونية عن الوطن الصغير أيضاً. الأكيد، وهذا ما تثبته السجلات، أن الكنيسة قالت الكلام ذاته الذي صدر عن جنبلاط بطريقة لبقة في محاولة لإفهام كل من يعنيه الأمر أن ثمة وضعاً غير مقبول في الوطن الصغير، وأن هناك من يحاول تغيير أصول اللعبة الديموقراطية وتنفيذ انقلاب يغير من طبيعة لبنان ونظامه الديموقراطي وتركيبته التي فشلت الحرب في تغيير أسسها. وقد جاء «اتفاق الطائف» لحماية التركيبة في المدى الطويل وطمأنة المسيحيين إلى أن حصتهم في الوطن الصغير محفوظة على كل المستويات وفي كل الميادين بغض النظر عن التغييرات ذات الطابع الديموغرافي التي تعصف بالكيان.

بالطبع، كان هناك للأسف الشديد بين المسيحيين الجهلة، وما أكثرهم هذه الأيام، من هاجم في حينه الكنيسة إرضاء لـ «المقاومة». مقاومة من؟ إنها في الواقع مقاومة لأي تقدم في لبنان بما يصب في مصلحة النظام السوري الحاقد لا أكثر. حاول هؤلاء الجهلة الخلط بين «حزب الله» المسلح والطائفة الشيعية الكريمة من أجل التحريض على الكنيسة. إنهم لا يدركون أن لبنان إما يكسر الحلقة المفرغة التي دخلها منذ توقيع «اتفاق القاهرة» في العام 1969 وإما يزول عن خريطة الشرق الأوسط بسبب التمدد الذي يمارسه «حزب الله» بفضل سلاحه من جهة والأموال الإيرانية «الطاهرة جداً» الموضوعة في تصرفه من جهة أخرى. كل ما في الأمر أن وليد جنبلاط أعاد التذكير بالكلام الصادر عن الكنيسة كي يكون هناك شبه إجماع وطني تشارك فيه كل الطوائف الكبرى المؤسسة للكيان، على رأسها الطائفة الشيعية الكريمة، للوقوف في وجه الخطر الداهم الذي يشكله «حزب الله» الساعي إلى اقامة دولته على حساب الدولة اللبنانية.

كانت طريقة وليد جنبلاط في الكلام فجة. هذا صحيح. لكنها كانت تعكس صدقاً حقيقياً صادراً عن رجل يدرك جيدا حجم الأخطار التي تحيق بلبنان. كان كلامه صادراً من القلب. ولعل ما يدركه جنبلاط خصوصاً وجوب التفريق بين الطائفة الشيعية، وهي طائفة مؤسسة للكيان اللبناني مع الموارنة والدروز والسنة وآخرين بينهم الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن وآخرين من جهة و«حزب الله» من جهة أخرى. وما قد يكون أهم من ذلك أن طريقة كلامه عكست الشعور الذي ينتاب عادة إنساناً يمتلك حساً وطنياً عميقاً وذوقاً مرهفاً في آن عندما يكون بلده في خطر. مثل هذا الإنسان لا يمكن إلا أن ينتفض في وجه الواقع الأليم والظالم الذي يحاول «حزب الله» فرضه على اللبنانيين من أجل إخضاعهم وتغيير نمط حياتهم وجعل اليأس يدب في أوصالهم إرضاء لدمشق وطهران. نعم مطلوب الاستسلام لليأس كي يحول «حزب الله» لبنان مجرد «ساحة» يستخدمها المحور الإيراني  - السوري لابتزاز العرب والمجتمع الدولي وعقد الصفقات مع العدو الإسرائيلي على حساب لبنان واللبنانيين طبعاً... كم تهمة كان «حزب الله» وجّه للدولة اللبنانية ومؤسساتها وللأجهزة الأمنية اللبنانية لو حدث أن اغتيل عماد مغنية على الأرض اللبنانية وليس في الأراضي السورية؟ بعض الإنصاف ضروري للبنان. هل يفهم الحزب ذلك ويستفيد من كلام وليد جنبلاط وقبل ذلك من الكلام الصادر عن الكنيسة المارونية؟

يلعب «حزب الله» الدور الذي سبق ولعبته المنظمات الفلسطينية في لبنان منذ أواخر الستينات من القرن الماضي. أرادت هذه المنظمات إقامة دولة داخل الدولة غير آبهة بما يحل باللبنانيين ولبنان. كادت هذه المنظمات أن تقضي على التركيبة اللبنانية. المؤسف في الأمر أن «حزب الله» يكرر التجربة ذاتها غير آخذ في الاعتبار أن أهل الجنوب كانوا أكثر من عانى من الممارسات الفلسطينية في حينه وكانوا أول من وقف في وجهها وحاولوا التصدي لها. دفع أهل الجنوب وفي أكثريتهم من الشيعة ثمناً غالياً بسبب الانتشار الفلسطيني المسلح في الجنوب وبسبب إبقاء تلك الجبهة مفتوحة لأغراض لا علاقة لها بلبنان بمقدار ما أنها تصب في تهجير اللبنانيين من أرضهم... أو في التعويض عن عدم إطلاق ولو رصاصة واحدة من الجولان السوري المحتل منذ العام 1974 كي يتحمل لبنان وحده عبء المواجهة مع إسرائيل فيما تنعم سورية بالاستثمارات العربية والأجنبية، وكأن خيرها يأتي من بؤس لبنان وشقائه!

يسعى «حزب الله» إلى أعطاء دروس ومحاضرات في الوطنية. بدلاً من أن يفعل ذلك، حبّذا لو يمتلك المسؤولون فيه ما يكفي من الشجاعة لمحاولة فهم ما قاله وليد جنبلاط وقبله الكنيسة المارونية عن وجود فريق في البلد لا يؤمن بلبنان الذي يؤمن به اللبنانيون الآخرون، أي لبنان الديموقراطي والمتنوع والحضاري والمنفتح على العالم، لبنان الرافض أن يكون تابعاً لأحد. في حال فهموا ما يعنيه وليد جنبلاط، لكانوا استوعبوا معنى مشروع الإنماء والإعمار الذي نفذه الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتوقفوا عن إثارة الغرائز المذهبية من أجل استعادة التجربة العراقية في لبنان. قبل «حزب الله»، جربت طوائف لبنان الكبرى حظها. حاولت كل من هذه الطوائف جعل لبنان على قياسها. جرب السنّة وفشلوا عندما اعتبروا الفلسطينيين جيشهم. جرب المسيحيون عندما اعتقدوا أن في استطاعتهم إخضاع الآخرين عبر الاستقواء بسورية في مرحلة معينة ثم بإسرائيل في مرحلة لاحقة. جرب الدروز احتكار جزء من الجبل وبيروت. فشلوا أيضاً. يجرّ «حزب الله» الشيعة إلى تجارب فاشلة جربها غيرهم في الماضي القريب. إنها تجارب لا مصلحة لهم في تكرارها. لبنان يحمي الجميع. «الطائف» يحمي الجميع. تلك كانت رسالة وليد جنبلاط. سلاح «حزب الله» لا يخدم سوى إسرائيل. يفترض في الحزب أن يتذكر في استمرار أن الإسرائيليين أصروا في العام 1976 على أن يكون جنوب لبنان خارج سيطرة الدولة اللبنانية وألا تدخله «قوات الردع العربية» التي كانت في أكثريتها سورية. إسرائيل وضعت «الخطوط الحمر» لسورية وغير سورية. أبلغت هنري كيسنجر الذي كان صاحب فكرة دخول الجيش السوري إلى لبنان لـ «وضع اليد» على منظمة التحرير الفلسطينية أنها في حاجة إلى «مناوشات» مع المسلحين الفلسطينيين في جنوب لبنان بين وقت وآخر. هل من أجل ذلك يسعى «حزب الله» إلى تكريس سلاحه في البيان الوزاري لأي حكومة مقبلة؟ يريد الحزب في الواقع أن يكون لبنان في وضع أسوأ مما كان عليه أيام «اتفاق القاهرة». يريد استعادة «اتفاق القاهرة»، ولكن بين الدولة اللبنانية وطرف لبناني مرتبط عملياً بالخارج. مرتبط بالمحور الإيراني - السوري تحديداً. من تخدم هذه الاستراتيجية؟ هل تخدم الشيعة أو لبنان؟ إنها تخدم إسرائيل لا أكثر ولا أقل. هل هذا ما يسعى إليه «حزب الله»؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن