لن أخوض في موضوع استجواب رئيس الوزراء... استحقاقه... سريته... علانيته... طلب عدم التعاون... طريقة رد كرامة الشعب التي أهينت... فلم تعد هذه المواضيع هي الأهم من وجهة نظري، وإن كانت على درجة كبيرة من الأهمية لكن الأهم كما أعتقد أمران اثنان، أولهما: خطورة الدعوة لتحريك الشارع وجموع المواطنين... وثانيهما: هذا النفس القبلي والطائفي الذي بات مستشرياً ومستأصلاً بين فئات المجتمع.
نحن نؤمن ايماناً عميقاً بأن للفرد في المجتمع وللمؤسسات المدنية، فيه دوراً مهماً يجب أن يقوما به بل لعل هذا الدور قد يكون واجباً من واجبات المواطنة.
لكن هذا التحرك الشعبي إن لم يكن منظماً وضمن ضوابط وتحت تأثير مباشر من قيادة شعبية فانه ينقلب الى وبال على المجتمعات، وفوضى قد لا يمكن كف عبثها إلا بعد جهد جهيد... إن المتبصر في التاريخ يجد أن عموم الفتن إن لم تكن كلها إنما كانت بسبب الفوضى التي انتشرت لدى العامة، فاصبحوا هم من يقودون الأحداث... ولأن غالبية العامة قد لا تكون ذا بصيرة أو حكمة أو إطلاع على العواقب، فانه يعمل دون النظر الى النتائج، وقد كانت الغوغائية منذ فجر التاريخ هي القائدة لأحداث الفتنة والخراب اللذين يحلان على الديار.
إن الدعوات التي انطلقت لتحريك الشارع وفق الذي رأيناه أمر أخطر بكثير من مسألة الاستجواب أو عدم التعاون نجح أم لا، بل هي أكبر من مسألة انتهاك كرامة الشعب حين تم ضرب بعض النواب والأفراد دون وازع أو مسوغ... إن الداعين لهذا التحرك لا يعون بلا شك خطورة دعوتهم تلك ولا يرون عاقبتها، خصوصا، إذا ما عرفنا أن الشارع حين يتحرك فانه لا يتحرك بالضرورة وفق معاييرهم أو ضوابطهم، فقد تفلت الأمور ويكون في المتحركين من له نوايا خاصة أو قد يكون متهوراً الى حد العبث في أمن واستقرار المجتمع.
ولم يعد سراً أن النفس القبلي والطائفي دخل في أطروحات بعض السياسين أخيراً، وأصبح هو المحرك الأول للشارع، بل تنادت الصيحات القبلية والطائفية وأصبحت مرتكز الحدث... نحن كما كل المجتمع... لسنا ضد القبيلة لكننا ضد القبلية... ولسنا ضد أن يتمذهب الانسان بأي مذهب، لكننا ضد العصبية والتشدد... يوم أن تكون العصبية للنسب والمذهب والانتصار لهما والاستظلال بظلهما بعيداً عن ظل الدولة والشرعية، يكون هذا نذير شؤم على الكيان الاجتماعي... من هنا قلت بداية أن ما نواجهه من خطورة أكبر بكثير مما نحن بصدده من استجواب أو عدم تعاون... سينتهي الاستجواب خلال ساعات وأياً كانت نتائجه، ويبقى لنا كم من الأفكار الغريبة والمتطرفة والنزاعات والدعوات الشاذة، التي خلخلت نسيجنا الاجتماعي وفرقت المجتمع.
بصدق وحرقة ادعو جميع أبناء الوطن أن يعوا خطورة أن تتحرك مجاميع لا تنظمها حركة أو فكر، ومن دون وعي لما قد ينتج عن هذا التحرك... سوى ما يحركها من فزعة قبلية أو طائفية... هي أخطر علينا من العدو.
محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
[email protected]