هناك الكثير من البشر يتساءلون: كيف استطاع موقع مثل موقع «ويكيليكس» الحصول على نصف مليون وثيقة سرية في فترة زمنية قصيرة، وكيف استطاع السيد جوليان أسانج اختراق المواقع السرية الدقيقة في واشنطن واستيلاءه على ارشيف البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية؟!
وهناك الكثير من التساؤلات حول مدى سرية الوثائق المنشورة، وهل هي فعلا استطاعت ان تمس صميم الادارة الاميركية او المصالح الاستراتيجية الاميركية، وهل استطاع مؤسس موقع «ويكيليكس» ان يهز عرش الامن القومي الاميركي؟! فالوثائق السرية المنشورة لم تشر الى أسماء مسؤولين اميركيين تم تحميلهم مسؤولية الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت سابقا في العراق وأفغانستان.
ونلاحظ هنا تسليط موقع «ويكيليكس» على منطقة الشرق الاوسط كثيرا الى ان سبب ذلك حالة من الارباك والاحراج الكبير لرؤساء ومسؤولين سابقين وحاليين، فمنهم من اعترف بذنبه ومنهم من رفض رفضا قاطعا الحديث عن هذه الوثائق السرية، ومنهم من قال: لا تعنينا شيئا او علق: لا نعلم عنها شيئا... وكأنه مقطوع عن العالم الخارجي! فأي كانت طريقة رده، يبقى السؤال مطروحا هنا: من يتحمل مسؤولية تسريب هذه الوثائق السرية التي نشرت في العلن، وكيف ستتجاوز الادارة الاميركية الاخطاء والتجاوزات الواردة في موقع «ويكيليكس» خصوصا بعد الازمة المالية والاقتصادية التي هزت اركانها؟!
ان التقارير السرية المنشورة ما هي الا مراسلات لديبلوماسيين اميركيين وأوروبيين تدل على وجهات نظرهم في القضايا السياسية المتعددة، وبالتالي لا تعبر تلك عن مواقف رسمية مؤكدة، اضافة الى انها معلومات تعبّر عن حقيقة السياسة الدولية التي اصبحت واضحة المعالم للجميع، وهذا ما يرمم جدار الخلاف في ما بينهم ان حصل... اما من جانب ما نشر عن طلب الادارة الاميركية من سفرائها التجسس على قيادات وأحزاب سياسية تعتبرها ارهابية، فهي خطوة تسيء الى العلاقات الثنائية بينها وبين الآخرين، نظرا لحساسية الموقف، وهناك وثائق سرية اخرى تحمّل اطرافاً عراقية شيعية وايرانية مسؤولية ما يجري في العراق ولم تحمّل اي مسؤولية للادارة الاميركية السابقة التي كان قياديوها من الحزب الجمهوري العنيف، ووثيقة سرية اخرى تفيد بتحميل اطراف وأنظمة عربية في الحرب على العراق، وعن خطورة السلاح النووي الايراني في منطقة الشرق الاوسط، ونلاحظ ايضا ان اغرب ما نشر في موقع «ويكيليكس» هي وثيقة تفيد عن زعماء عرب طالبوا واشنطن العمل على شن الحرب ضد ايران، وانهم على استعداد بتسهيل مهمتها، ومن خلال هذه الوثيقة السرية توقع موقع «ويكيليكس» ردود افعال شديدة، الا ان الامر قوبل باستنكار عربي وبرودة اعصاب، فجميع الدول المحيطة بإيران قد اكدوا مرارا ان شن الحرب على ايران ليس سهلا بل ستكون للحرب عواقبها المدمرة في المنطقة... وفي قراءة موضوعية عن وثيقة الوضع الفلسطيني وهروب حركتي فتح وحماس من عملية المصالحة وفشل سياسة السلطة الفلسطينية تجاه القضية، وان مسؤولين اسرائيليين قد طرحوا على مصر والسلطة تسلّم قطاع غزة بعد الحرب، نجد للرد على هذه الافتراءات اصبحت اجابتها عقيمة لا قيمة لها، وذلك بسبب التعنت الاسرائيلي وعدم نجاح السلطة في عملية المفاوضات واستمرار الخلاف بين حركتي فتح وحماس بالرغم من الوساطات والتدخلات الخارجية.
نصف مليون وثيقة سرية متعددة الاطراف، روج لها الاعلام الاميركي والعربي والاوروبي وسط غموض تام حول سرية هذه المعلومات من عدمها، وكيف ان هذه الوثائق لم تنشر في موقع «ويكيليكس» في وقت واحد اي دفعة واحدة، يا ترى هل وراء هذا الكم الهائل من الوثائق هو مؤسس الموقع: «جوليان أسانج» فقط؟! ام ان لديه مصادر اخرى في عمق البيت الابيض والاستخبارات الاميركية؟!
في موقع «ويكيليكس» كنا متعطشين لمشاهدة قضايا اقليمية تدخل فيها الغموض، فلم ينشر الموقع وثيقة اعتداءات جماعة طالبان والميليشيات الارهابية الاخرى في افغانستان وخصوصا في ما يتعلق بالانتهاكات التي حدثت على الاراضي الباكستانية، فأين وثائق «ويكيليكس» حول حقيقة الحرب على العراق؟! وأين الموقع من عملية الاغتيالات داخل الاراضي الفلسطينية، وعملية الاستيطان الاسرائيلي وخطط الصهاينة حول احتلال وهدم المسجد الاقصى، ولم ينشر الموقع اي وثيقة حول مصير المعتقلين والسجناء الفلسطينيين وانتهاك الفلسطينيين داخل السجون الاسرائيلية، ثم لم نر اي وثيقة سرية تبين السياسة الاميركية تجاه قضايا الشرق الاوسط، خصوصا في ما يتعلق بالمفاعل النووي الايراني ونشاطاته؟! وأين الوثائق التي تخص انهيار برجي التجارة الاميركي، وأين الوثائق التي تخص بن لادن؟
وعلى ضوء ما طرح يبين لنا ان صاحب موقع «ويكيليكس» جوليان أسانج، وهو صاحب نصف مليون وثيقة سرية، تخص معظم دول العالم سيواجه اتهامات دولية عدة في المستقبل القريب ولكن شعبيته الكبيرة وصرخات مؤيديه ستساعد على اطلاق سراحه بأي شكل من الاشكال، فما قام به أسانج الاسترالي وفريقه هي ظاهرة عالمية لن تتكرر في عالم الانترنت التجسسي... ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]