خيرالله خيرالله / نتذكر جبران تويني... نتذكر المقاوم الحقيقي!
1 يناير 1970
06:25 م
في مثل هذه الأيام نتذكر جبران تويني الزميل والأخ وذلك في الذكرى الخامسة لاستشهاده. جاء اغتيال جبران تويني نائب بيروت وديك «النهار» في الثاني عشر من ديسمبر 2005، بعد عشرة أشهر من تفجير موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبعد ستة أشهر تقريباً من استشهاد الزميل سمير قصير، أحد ألمع العقول العربية. هل كان جبران تويني بهذه الخطورة كي يجري التخلص منه بالطريقة البشعة التي لجأ اليها المجرمون؟ الجواب بكل بساطة أن مسلسل الاغتيالات الذي شهده لبنان كان يتطلب التخلص من شخص مثل جبران تويني نظراً إلى أنه كان مطلوباً إيجاد فراغ في البلد الذي اسمه لبنان، ومنعه من المقاومة، مقاومة ثقافة الموت والسلاح الميليشيوي والوصاية، وذلك بكل الوسائل المتاحة، سياسياً وشعبياً وإعلامياً...
جاء اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005 لأنه كان رمزاً للزعيم الوطني الذي يستطيع أن يجمع حوله اللبنانيين والعرب الحقيقيين الرافضين للمتاجرة بالقضية الفلسطينية والمؤمنين بكل ما هو حضاري في هذا العالم. جريمة رفيق الحريري أنه استطاع إعادة الحياة إلى بيروت وحولها من مزبلة إلى احدى اجمل المدن المطلة على البحر المتوسط. كان لا بدّ من مكافأة رفيق الحريري على ما انجزه كونه كان مهووساً بلبنان وبيروت بالذات وبثقافة الحياة. كان «ابو بهاء» يحلم بربيع دائم لبيروت وبحدائق خضراء مليئة بالورود بديلاً من خطوط التماس التي كانت تفصل بين المسلم والمسيحي. لذلك قتلوه. قتله اولئك الذين لا يؤمنون سوى بالبؤس وبثقافة الموت والدمار. ولذلك نجد الآن أدوات الأدوات، من أمثال النائب المسيحي ميشال عون، تسعى إلى تغطية الجريمة. هؤلاء الأشخاص - الأدوات لا يستطيعون لعب دور آخر غير الدور الذي ولدوا أصلاً من أجله وذلك لسبب واحد على الأقل اسمه الحسد. الحسد سبب كاف لمحاولة النيل من رفيق الحريري ومن كل شهداء «ثورة الارز». هؤلاء الحساد يعرفون أنهم غير قادرين إلا أن يكونوا فاشلين وأن عليهم مهاجمة النجاح والناجحين بحثاً عن دور ما ولو كان ذلك على حساب لبنان واللبنانيين والمسيحيين خصوصاً. عليهم أن يفعلوا ذلك، نظراً إلى أن ليس في استطاعتهم مقارنة نفسهم بقامات كبيرة استطاعت أن تبني المؤسسات التعليمية وتدعمها وأن تعيد لبنان العربي المتعافي إلى خريطة الشرق الأوسط والعالم...
كلما مرّ يوم، يتبيّن أن اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، وبعده سمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، كان حاجة لدى اولئك الذين لا هدف لهم سوى تدمير لبنان ومؤسساته وتكريس بيروت مدينة منقسمة على نفسها. هل صدفة أن يأتي الاعتصام وسط بيروت مباشرة بعد العدوان الاسرائيلي صيف العام 2006، هل كان من هدف آخر للاعتصام سوى تعطيل مؤسسات الدولة، على رأسها مجلس النواب، وتعطيل الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان انطلاقاً من وسط العاصمة، عاصمة جميع اللبنانيين، بيروت؟
لا شيء يحصل بالصدفة في لبنان. اغتيل رفيق الحريري لأسباب كثيرة في مقدمها أنه صار زعيماً وطنياً ذا إطلالة عربية انطلاقاً من بيروت التي أعاد الحياة إليها، واغتيل سمير قصير لأنه كان رمزاً لبيروت التي وضع عنها كتاباً. كان رمزاً لبيروت بصفة كونه لبنانياً وسورياً وفلسطينياً وعربياً متحرراً ومثقفاً حقيقياً في الوقت نفسه. واغتيل جورج حاوي لأنه رفض الظلم والرضوخ للمتاجرين بالعروبة وباللبنانيين والفلسطينيين. واغتيل جبران تويني لأنه كان رمزاً من رموز المقاومة الحقيقية التي ترفض المقاومة المزيفة. كان جبران تويني وفياً لبيروت التي رفضت الميليشيات بكل أنواعها. كان باختصار صاحب موقف عبر عنه عبر «النهار» التي فقدت عملياً ديكها.
لماذا قتلوه؟ الجواب لأن «النهار» التي تمثل بيروت وكل لبنان كانت مستهدفة. لم يكن جبران ليستشهد لو ارتضى أن تكون جريدته من دون موقف. هذا كل ما في الأمر. كان على بيروت أن ترضخ وأن لا يعود فيها مكان سوى للصحف الصفراء التي هي أقرب إلى تنظيم ميليشيوي مذهبي من أي شيء آخر. كان جبران من بين آخر المقاومين لهذه الظاهرة. كان لا بدّ من إزاحته لهذا السبب ولغيره من الأسباب بينها جرأته.
بعد خمسة أعوام على غياب جبران تويني، لا تزال بيروت صامدة لكنها لا تزال مستهدفة. في كل يوم تؤكد بيروت أنها لا تزال وفية للذين دافعوا عنه. رفيق الحريري أعاد الحياة إلى المدينة. سمير قصير كان روحها. كان يعرف كل شارع من شوارعها وكل معلم من معالمها. جورج حاوي كان المناضل العربي الذي يعبر عن انتماء المدينة ودورها. أما جبران تويني فكان صوتها الذي يصدح يومياً، صوت المقاومة الحقيقية الرافضة لثقافة الموت...
بعد خمسة أعوام على غياب جبران تويني، لا تزال بيروت تقاوم. دم الشهداء لم يذهب هدراً. لم يعد بعيداً اليوم الذي سنعرف فيه من قتل رفيق الحريري، وباسل فليحان، ورفاقهما، ثم سمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، ووليد عيدو، وبيار أمين الجميّل، وانطوان غانم، واللواء فرنسوا الحاج، والرائد وسام عيد، والنقيب سامر حنا. سنعرف أيضاً من حاول قتل مروان حماده، وإلياس المرّ، ومي شدياق، وسمير شحاده.
لا يمكن لبيروت أن تصمت. لن يرهبها السلاح ولا أدوات الأدوات التي تستقوي بهذا السلاح خدمة لثقافة الموت والشعارات المزيفة. من كان يصدّق يوماً أن المدينة المقسمة ستعود موحدة أكثر من أي وقت، من كان يصدّق أنه سيأتي يوم سيسمى فيه القاتل ولن يعود من واجب الضحية الاعتذار من المجرم؟
لن يردّ لنا أحد الشهداء. لكن عزاء الذين عرفوهم أن قاتل جبران سيصير معروفاً ولن يعود قادراً على تغطية جريمته بواحدة أكبر منها أو عن طريق الأدوات المعروفة مهما حاضرت هذه الأدوات الوسخة بالعفاف والعفة والطهارة!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن