علي سويدان / معلمون... لا إرهابيون

1 يناير 1970 07:55 م
دخلتْ ابنتي الصغيرةُ هذا العام الصفَّ الأول وقالت لي قبل أيام: يا أبي..أنا لا أحب اللهَ. فسألتها بكلِّ تلطُّف: ولم يا ابنتي؟ أجابت: لأنه سيحرقنا بالنار، قلتُ: مَنْ قال ذلك؟ فأجابت: المعلم في المدرسة. فبقيت أياماً متتالية وحتى الآن أُلاطِفُها، دون أن تشعر بتعمُّدي ذلك، لأزرع في قناعاتها فضل الربِّ جل في علاه على بني البشر، وكرمه وما أسبغ علينا من نِعَمٍ لا تعد ولا تحصى، وأنه تكفل برزق الناس ورعاهم وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض...، وبذلتُ وما زلت أبذل معها لتستعيد كثيراً من المعاني الخيِّرة التي أخذتْها من البيت فجاء ذاك المعلم ليحرقها بناره.

نحن على قناعة أن كثيراً من المعلمين مؤهلون وجديرون بمهنتهم، وفي الوقت ذاته نلمس انحرافاً في أسلوب أداء عدد ليس بالقليل من المعلمين والذين يُنفِّرون الطلبة من الدين والعلم معاً، ثم نعود نتساءل عن سبب إعراض الشباب والفتيات عن العلم وعن التخلُّق بالأدب والإقبال على الدين! هناك عشرات بل مئات وآلاف يعانون من سوء وصول الأفكار إلى أبنائهم في قاعات التعليم في بلادنا العربية، المسألة أبسط من أن تحتاج إلى توضيح؛ أفكارنا المغلوطة التي نستخلص منها خطط العمل في دوائرنا ومؤسساتنا وقطاعات العمل اليومي وممارساتُنا التي تستند إلى علاقات إنسانية مُعكَّرة إنما نبعتْ من تلك الأيام التي قضيناها بين البيت والمدرسة، أُسلوب الترهيب المتَّبع مع طلبتنا بمدارسهم في اللفظ وربما يتجاوز إلى الضرب ما زال متَّبعاً! والقوانين التي تحكمه ما زالت في غياهب الأدراج، التلميذة التي تنشأُ على التخويفِ والقمع والإهانة في البيت أو في المدرسة ستكبرُ وستصبحُ أُمَّاً تُخوِّفُ أبناءها وتقمعهم وتُهينُهم، والتلميذُ الذي يصرخُ المعلمُ في وجهه ويقسو عليه بالكلام وربما يضربه، سيكبرُ ويصبحُ أبَاً يصرخُ في البيت ويضربُ أبناءه! لذلك ليس من حقِّنا بعد كل ما نمارس من سلوك أن نندهش من تأخُّر العرب في عالم يصنع المجد في قاعات التعليم لا في ميادين القتال! لذلك قالوا «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»، علينا أن نبذل كثيراً من الجهد مع أنفسنا تجاه أبنائنا في البيت وفي المدرسة بأسلوب الإقناع والتوجيه والمتابعة والتقويم، ولْيَكنْ ذلك بلغة الترغيب والتشويق ويمكننا استخدام أسلوب العقاب بالحرمان من كمالياتٍ هي في نظر الأطفال ضروريات، وسوف تكون تلك العقوبة مؤثرة إيجابياً على سلوكهم ولْنُجرِّب ذلك، أمَّا أن يقوم أبٌ أو تقومَ أُمٌّ أو يُقْدِمَ مُعلِّمٌ على استخدام أمورٍ ترتبط بعقيدةِ دينٍ من الديانات أو استخدام أساليبَ تشوِّه الأفكارَ وتقلبُ الحقائقَ وتُؤثر سلباً على فكر الطلبة وسلوكهم ستكون النتيجة مؤسفة؛ كالذي يُعاقبُ تلميذاً على خطأ ارتكبه فيأمره بكتابة جملة من الدرس عشر مرات أو مئة مرة! هل سيبقى في قلب الطالب أيَّ رغبة في العلم أو أيَّ ولاءٍ لمدرسته ومجتمعه؟ إنها معضلة الفهم للأمور والتي تتطلب منا توعية إعلامية شاملة للأسرة وللمدرسة، وتستدعي أن نُعيد تأهيل كثير من المعلمين تأهيلاً توعوياً تجاه أسلوب حوارهم وطُرق تواصلهم مع الطلبة لأنهم معلمون لا إرهابيون! وكل عام وأنتم بخير.





علي سويدان

[email protected]