خيرالله خيرالله / لماذا اختار ميشال عون اللون البرتقالي؟

1 يناير 1970 02:41 م

لم يعد الأمر سراً. اكتشف اللبنانيون أخيرا لماذا اختار الجنرال ميشال عون اللون البرتقالي رمزاً لتياره السياسي. بعد كل الأدوار التي لعبها الجنرال في الفترة الأخيرة بكفاءة قلّ نظيرها، تبين أن الاختيار للون لم يكن من باب الصدفة المحضة. هناك تلازم عضوي بين ميشال عون والبرتقالة. هناك أساس يجمع بينهما. الاثنان يصلحان للعصر ثم للرمي في سلة المهملات.

بعد الجلسة الأخيرة التي عقدت بين النائب ميشال عون ممثلاً للمعارضة مع الرئيس أمين الجميل والنائب سعد الحريري في رعاية الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى يوم الجمعة الواقع فيه الثامن من فبراير الجاري، لم تعد حاجة إلى تكرار أن العماد ميشال عون الأداة السورية المفضلة في لبنان. لا يحسن سوى أداء هذا الدور، دور الأداة، إنه الدور الوحيد الذي يتقنه ويرتاح إليه. كأنّه خلق من أجله. لو لم يكن «الجنرال» أداة لكان لبنان انتخب رئيساً للجمهورية خلفاً لذلك الذي يفضل المرء عدم الإتيان على ذكر اسمه. لو لم يكن أداة عند الأدوات، كما صار أخيراً، معتبراً ذلك ترقية له، لما وضع كل العراقيل المطلوبة سورياً أمام المبادرة العربية التي يتولاها الأمين العام للجامعة.

على الصعيد العملي، يشارك ميشال عون في الانقلاب الذي يتعرض له لبنان والذي يستهدف إلغاء الوطن الصغير وإزالته عن خريطة الشرق الأوسط. لا تفسير آخر لتصرفات من كان يدعي أنه قاوم الاحتلال السوري للبنان، إلى أن تبين لاحقاً أنه لعب دوراً أساسياً في جعل لبنان كله يقع في العام 1990 تحت السيطرة السورية. أمن ذلك عندما رفض «اتفاق الطائف» وتسليم قصر الرئاسة إلى الرئيس الشهيد رينيه معوض مسهلاً على آلة القتل السورية التخلص من الرئيس اللبناني المنتخب الذي كان ينوي تطبيق «الطائف»، استناداً إلى التفسيرين اللبناني والعربي للاتفاق، وليس استناداً إلى التفسير السوري.

لعب ميشال عون الدور الرئيسي في التخلص من رينيه معوض، تماماً كما يفعل الآن مع العماد ميشال سليمان بغية منعه من الوصول إلى الرئاسة. سهل في العام 1990 دخول القوات السورية إلى قصر بعبدا ووزارة الدفاع اللبنانية للمرة الأولى منذ استقلال الوطن الصغير بغية إخضاع لبنان. ليس مهماً ما إذا كان فعل ذلك عن قصد أو غير قصد. المهم أنه فعل ذلك من منطلق جهله التام للتوازنات الداخلية والإقليمية والدولية. لم يستوعب في العامين 1989 و1990 أن «اتفاق الطائف» أفضل حماية للبنان، فاتجه إلى محاربته متكلاً على الراحل صدام حسين. وذهب حتى إلى إرسال مبعوثين إلى ياسر عرفات، رحمه الله، طالباً منه مساعدته ودعمه... غير مدرك للوضع الذي كان يعاني منه الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني في تلك المرحلة.

لا يفهم ميشال عون شيئاً في السياسة والمعادلات الإقليمية. يتقن لعب دور الأداة ويتقن أيضاً للأسف الشديد إثارة الغرائز لدى المسيحيين اللبنانيين من المساكين الذين لا يعرفون شيئاً عن حقيقة الرجل الذي يظن أنه قائد عسكري كبير، ولكنه يقبل بوجود جيشين على أرض لبنان ودولة داخل الدولة اللبنانية! اختار ميشال عون تعطيل مؤسسات الدولة اللبنانية بصفة كونه انقلابياً بامتياز. لا حدود لرعونة الرجل الذي لا يريد أن يتعلم من تجارب الماضي القريب وأن يسأل نفسه كم ستكلف تصرّفاته اللبنانيين هذه المرة وما الثمن الذي سيدفعه المسيحيون مرة أخرى بعدما قبل تحويل لبنان إلى «ساحة» للمحور الإيراني - السوري يستخدمها لابتزاز العرب والمجتمع الدولي. هل يستوعب ميشال عون معنى الخطوات التي يتخذها بما في ذلك تغطية الاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة وسط بيروت؟ هل يستوعب معنى الاعتداء على المؤسسات وإغلاق مجلس النواب اللبناني بناء على طلب سوري كي يكون فراغا على مستوى رئاسة الجمهورية؟ هل يدرك المهرج برتبة جنرال معنى تعميم ثقافة البؤس في لبنان؟ يصعب على ميشال عون فهم معنى هذا الكلام نظراً إلى أن أياً من غلمانه، عفواً نوابه أو مساعديه، لا يتجرأ على عرضه عليه. وفي كل الأحوال، حتى لو قرأ الكلام، فإنه لن يفهمه... أو يستوعبه لأسباب تعود إلى قدراته العقلية المحدودة من جهة وحقده الأعمى على كل نجاح من جهة أخرى.

ما يشفع بميشال عون أنه لم يربح يوماً معركة في حياته. خسر كل المعارك العسكرية والسياسية التي خاضها. المعارك العسكرية الوحيدة التي صمد فيها كانت تلك التي ظل بعيداً عنها. الدليل على ذلك، أن الصورة الوحيدة التي التقطت له في جبهة سوق الغرب، المطلة على بيروت، كانت تلك التي رافق فيها رجلاً شجاعاً اسمه أمين الجميل إلى أرض المعركة. أجبره أمين الجميل بصفة كونه رئيساً للجمهورية على الذهاب إلى الجبهة. لولا ذلك، لبقي «الجنرال» بعيداً عن سوق الغرب على غرار ما فعله دائماً في مثل هذه الأحوال. من يريد تأكيدات أخرى على «شجاعة» عون، يستطيع العودة إلى «حرب التحرير» وإلى «حرب الإلغاء» في 1988 و1989 و 1990... وإلى طريقة هربه من قصر بعبدا إلى منزل السفير الفرنسي حين اقترب السوريون من القصر، تاركاً عائلته في عهدة ضابط سوري شجاع وعميل سوري معتمد هو الراحل ايلي حبيقة!

لا حاجة إلى تعداد مآثر «الجنرال» التي عادت بالويلات على اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، ولكن ما لا يمكن تجاهله في مثل هذه الأيام أن الرجل الذي كان أداة سورية حصل على ترقية وصار أداة عند الأدوات السورية. ظهر ذلك بوضوح عندما ظهر في برنامج تلفزيوني مع السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ «حزب الله» الإيراني للدفاع عن ورقة التفاهم بين الجانبين. لم تكن مشكلة ميشال عون مع نصرالله في ظهوره بالطريقة التي ظهر فيها، أي كتلميذ أمام معلمه. كانت المشكلة في أن «العماد عون»، كما يحب أن يسمي نفسه، لا يريد أن يتعلم. لا يريد أن يتعلم أنه في حضرة زعيم ديني وسياسي يمتلك أجندة خاصة به لا علاقة لها بلبنان، بمقدار ما أنها مرتبطة باستخدام لبنان في خدمة ما يبتغيه النظام في إيران لا أكثر. هل يستوعب ميشال عون المهجر مع عائلته من حارة حريك، المعقل الجديد لـ «حزب الله» معنى التعاطي مع حزب همه الأول والأخير تغيير الطبيعة اللبنانية للطائفة الشيعية الكريمة من الناحية الاجتماعية وتحويلها إلى طائفة مرتبطة بالتركيبة الإيرانية؟ إن «حزب الله» ليس سوى امتداد للمحور الإيراني - السوري الطامح إلى إقامة توازنات جديدة في المنطقة على حساب كل ما هو عربي فيها انطلاقاً من الوضع في العراق. كل ما في الأمر أن إيران تعتبر نفسها المنتصر الوحيد من الحرب الأميركية على العراق التي ألغت هذا البلد العربي المهم والأساسي من المعادلة الإقليمية.

من حسن الحظ أن ميشال عون لا يراهن سوى على الحصان الخاسر. في المدى الطويل لا يمكن للمحور الإيراني - السوري تغيير خريطة الشرق الأوسط لمصلحته، حتى لو كان على تفاهم بطريقة أو بأخرى مع إسرائيل. ولكن يبقى السؤال عن الثمن الذي سيدفعه اللبنانيون والمسيحيون خصوصاً جراء المغامرة الجديدة لـ «الجنرال» الذي يُستخدم هذه المرة في تغطية الانقلاب على الصيغة اللبنانية بعد ترقيته من أداة إلى أداة لدى الأدوات؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن