علي سويدان / مناضلون بالأمس...

1 يناير 1970 08:01 م
أخشى أن تخاف إسرائيل وتبدأ بالتفكير بوطن آخر لكيانها بعيداً عن فلسطين بعد تلك المهلة التي أعطاها صائب عريقات للولايات المتحدة لإعادة إطلاق مفاوضات السلام المباشرة مع إسرائيل! وسأُخبركم لِمَ أخشى من رحيل الصهاينة عن فلسطين بينما يراه الكثيرون إنْ حدث نصراً مؤزَّراً! ربما وراء كثير من تصريحاتنا ووراء كثير من مواقفنا السياسية إشكالية فكرية نُكَوِّنُ من خلالها تلك التصريحات، ونقف بسببها تلك المواقف، سياساتُنا عبر تاريخنا وعلى مرَّ عصورنا المتتالية تستندُ للأسف على فكر مقيَّد ونمط محدد قليلاً ما تحررنا منه وكثيراً ما أمعنا فيه، وحين تحررنا في وقت من الأوقات من ذاك النمط المرتبط بالمظاهر وفهِمنا مضامين الفكر المستند إلى اتزانٍ في الحكم على الأمور سبقنا العالم في العلم والأدب والأخلاق؛ إنَّ كشف الحقائق لأنفسنا ووضع الأصبع على الجرح شيء مؤلم، ولكن ليس من الإنصاف وليس من الشجاعة أنْ يُنكر الإنسان الحقيقة وإن كانت مؤلمة أو كانت تُدينُهُ، فقد أمضى العرب زمناً قبل الإسلام يأكلون الميتةَ ويَئِدون البناتِ ويحرِمون المرأةَ من حقوقها... ولخَّص أميرُ الشعراء تلك الأحوال في قوله:

أَتَيتَ وَالناسُ فَوضى لا تَمُرُّ بِهِمْ

إِلاّ عَلى صَنَمٍ قَد هامَ في صَنَمِ

إذا هي مشكلة ترتبط بنمط التفكير وسعة الإدراك والوصول إلى حقائق الأمور، لذلك حين دخل العربُ الإسلامَ قال لهم النبي الكريم: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) لقد علَّق النبي الكريم الخيْرِيَّة والصلاح في هذا السياق بفهم الإنسان وفقهه وكل ذلك مرتبط بأسلوب التفكير ونمط استدعاء الأفكار بأولوياتها، فالإنسان المجبول والناشئُ على المغالطة والفوضى سيبقى فوضوياً ومغالطاً حتى لو كان مسلماً ومؤمناً وتقياً! إلى أنْ يُغيِّرَ نمطَ تفكيره، فرزانة العقل ووعي الفكر ووسطية الأداء أمور لا علاقة لها بالدين وإنما هي طبائع وأخلاق، لذلك كان من الْمُلِحِّ أن يلتفت العرب اليوم إلى مواضع انطلاقهم مع مدنيَّة حقيقية تنبع من أنفسهم؛ تقتنع بها عقولُهم وتؤمن بها قلوبهم. إنَّ صلاح الأحوال واستقامة الأمور لا تكون بمظاهرَ مُفرَّغة من داخلها ومُنمَّقة كاملة المظهر من الخارج! لذا كان لخروج الاتحاد السوفياتي من أفغانسان دور في كشف رداءة تلك المنظومة التي بُنيت هناك آنذاك وجُرَّ إليها شباب من العرب بعيداً عن قضيتهم المركزية، ليصبح (المجاهدون الأفغان) أُخوةُ الأمس أعداءً متناحرين على السلطة في كابول، لا بأس بل أحياناً من الضروري أن نقف إلى جانب الأحرار في العالم لينالوا حقوقهم ويحرروا بلادهم من كل مغتصب، ولكن (فاقد الشيء لا يعطيه)؛ أَمِنَ المعقول أن أترك وطني مُحتلاً ثم أذهب لأُقاتل في أفغانستان! المزيج الذي ظهر تنافره بعد خروج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان هو ذاتُ المزيج الفكري المتنافر الذي زرعناه في عقولنا وبنينا عليه أفعالنا، وكذلك في العراق يظهر ذاك التنافر الفكري من جديد في أنماط فهمنا للأمور وفي عدم استدعاء الأهم ثم المهم وآخر ما نفكر فيه للأسف الوطن ومصلحة الوطن... نحن في أمسِّ الحاجة لِنُعيدَ بناء هرم مصالحنا وأولويات أدائنا لتصبَّ في مصلحة الوطن ومستقبل الوطن، فمن غير وطن عزيز وآمن لا تصلح الحياةُ ولا يُمارسُ الدينُ ولا تُحفظ الحقوق، لذلك أخشى إنْ رحلتْ إسرائيلُ عن فلسطين ألا يبقى لنا عدوٌّ إلاّ أنفسنا!





علي سويدان

[email protected]