«... فلا رفث ولا فسوق ولا جدال»
الحج... كيف نجعله مبروراً؟
1 يناير 1970
06:22 م
| كتب عبدالله متولي |
قال تعالى: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة» (البينة:5)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، قيل: وما إتقانه يارسول الله؟ قال: يخلصه من الرياء والبدعة».**
إن الله تبارك وتعالى جعل الإخلاص شرطاً لقبول الأعمال الصالحة، والاخلاص هو العمل بالطاعة لله وحده، والمخلص هو الذي يقوم بأعمال الطاعة من صلاة وصيام وزكاة وحج وصدقة وقراءة قرآن وغيرها ابتغاء الثواب من الله سبحانه لا أن يمدحه الناس ويذكروه.
هذا عن العبادة بشكل عام، وإذا انتقلنا بالحديث عن «الحج» الركن الخامس فإنه يحتاج إلى الاخلاص في القصد والعمل لأنه من أعظم أركان الاسلام وفريضة عظيمة بها يُهدم ما قبلها من الذنوب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص - رضي الله عنه - «أما علمت ياعمرو أن الاسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» رواه مسلم.
وقد جعل الله للحج ما ليس للصلاة ولا للصيام ولا للزكاة، فقد جعله يكفر الكبائر والصغائر لقوله عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» رواه البخاري.
فما أعظم هذه الفريضة التي قال فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها، والحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة» (رواه البخاري ومسلم).
وها هي وفود الحجيج تتجه الى مكة المكرمة قاصدين بيت الله الحرام ملبين نداء الله تعالى على لسان نبيه وخليله ابراهيم عليه السلام حين قال: «وأذن في الناس بالحج...» (الحج:27)، ليطوفوا بالبيت العتيق، وليصعدوا على عرفات في يوم هو من أعظم أيام الله، يوم يباهي الله ملائكته بأهل عرفة، فهم يقومون بالسعي بين الصفا والمروة في التزام وطاعة لله سبحانه...
ومن نسك إلى نسك حتى تنتهي أعمال الحج ويعود الحجيج الى بلادهم وأهليهم، وقد ادى كل منهم فرضه... لكن هل كان حجه مبروراً. أم ان الشيطان أضاع عليه هذه الفرصة العظيمة ليرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟
إنه لمن الضروري جداً أن يكون الحاج على دراسية بما يجب عليه فعله حتى لا ينغص عليه الشيطان عبادته، أو يوقعه في المحظور، ويحرمه من أن يحج حجاً مبروراً.
إننا بحاجة إلى أن نتعرف على علامات الحج المبرور، والأمور التي يتحقق بها، والأمور التي تنافي ذلك حتى نتجنبها، وقد ذكر العلماء أقوالاً كثيرة في معنى الحج المبرور، منها: «أنه الحج الذي وفيت أحكامه»، وقيل: هو المتقبل، وقيل: هو المستقبل، وقيل: الحج المبرور أن يرجع الحاج زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وقيل هو الذي لا رياء فيه، ويرى الدكتور أحمد العمراني أستاذ الفقه والتفسير بالمملكة المغربية: أن المطلوب من الحاج: التميز وتمثل الأخلاق الحسنة، وتجنب الأخلاق السيئة من أجل تحقيق الحجة المبرورة وهي كما يلي:
1 - الاخلاص:
كل عبادة لا يمكن أن تُقبل إلا إذا توافر فيها شرطان هما: الاخلاص، والمتابعة.
والاخلاص شــرط أســاسي لصحة الحـج وقبــوله، قال - تعــالى - : {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الـزمـر: 2]، وقال الله - عز وجل - فيما يرويه عنه - صلى الله عليه وسلم - : «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
2 - المتابعة:
أي: معرفة الأركان والواجبات والالتزام بها دون زيادة أو نقصان؛ لأن الأصل في العبادات الامتثال، وقد علَّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف نحج، فقال: «يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجُّوا. فقال رجل: أُكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم؛ فانما هلك مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فاذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، واذا نهيتكم عن شيء فدعوه».
- وعلَّمنا كيف نحج فقال في حجة الوداع: «لتأخذوا عني مناسككم؛ فاني لا أدري لعلي لا أراكم بعد حجتي هذه».
وأمرنا بألا نزيد ولا ننقص في ما أمر به الشارع، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
ومما يؤكد هذا المبدأ؛ ما دأب عليه العلماء من الدفاع عن الدين، وابقائه صافياً نقياً لا تشوبه شائبة، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فهذا الامام مالك بن أنس - رحمه الله - جاءه رجل فقال: من أين أُحرم؟ فقال: من الميقات الذي وقَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحرم منه، فقال الرجل: فان أحرمتُ من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك، فقال: ما تكره من ذلك؟ فقال مالك: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقال: فان الله - تعالى - يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وأي فتنة أعظم من أنك خُصصت بفضل لم يختص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ».
3 - التوبة النصوح:
فاذا عزم المؤمن على السفر الى الحج، استُحب له أن يوصي أهله وأصحابه، فيكتب ما عليه من الدين، ويُشهد على ذلك، وجب عليه المبادرة الى التوبة النصوح من جميع الذنوب لقوله - تعالى - : {وَتُوبُوا الَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْـمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
وحقيقة التوبة: الاقلاع عن الذنوب وتركها، والندم على ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة فيها، وان كان عنده للناس مظالم من نفس أو مال أو عرض ردها اليهم، أو تحللهم منها قبل سفره؛ لما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كان عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض؛ فليتحلل اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم؛ ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وان لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه».
وفي لفظ البخاري: «مَنْ كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال؛ فليتحلله اليوم قبل أن يُؤخذ منه يومَ لا دينار ولا درهم».
4 - النفقة الطيبة:
وينبغي للحاج أن ينتخب لسفره نفقة طيبة من مال حلال؛ لما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ان الله - تعالى - طيب لا يقبل الا طيباً، وان الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِـحًا انِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه الى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك!».
وقال الشاعر:
اذا حججتَ بمال أصله سحتٌ
فما حججتَ ولكن حجّت العيرُ
لا يقبل الله الا كلَّ صالحــة
ما كل مَنْ حج بيت الله مبرورُ
5 - تمثل السكينة:
وتعني الوقار، والسير الهادئ، والتواضع، وعدم أذية الآخر، والصبر والرحمة، وهي كلها من الأخلاق المطلوبة في مثل هذه العبادة، كما هي مطلوبة في كل العبادات، فقد أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، فقال: «اذا أقيمت الصلاة؛ فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة».
ورأى - صلى الله عليه وسلم - جنازة يسرعون بها فقال: «لتكن عليكم السكينة»، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنها تنزل عند قراءة القرآن، فعن البراء قال: «كان رجل يقرأ وعنده فرس مربوط بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن».
وقد أوصى السلف الصالح باغتنام فضلها والتجلبب بها، حيث ورد عن علي گـ: «تجلببوا بالسكينة وأكملوا اللؤم» وقال ابن مسعود: «السكينة مغنم وتركها مغرم».
وبما أن عبادة الحج عبادة خاصة، يجتمع في موسمها الكثير من الناس في مكان محدود وزمان محدود؛ فان طبيعة المناسك تقتضي بالضرورة أن يحصل شيء مما لا ترتاح له النفوس أو لم تتعود عليه من ضيق وتأخر وتعثر؛ سواء في الطريق أم في الحافلات أم في أماكن الاستحمام أم في غيرها. وكذا ما يحصل من ازدحام شديد أثناء محاولة تقبيل الحجر الأسود، ورمي الجمرات، وحتى في السكن المخصص للحجاج من كل بلد، حيث يجد الحاج نفسه في مسكن مؤجر، ومع أفراد قد تكون له بهم معرفة مسبقة وقد لا تكون.
وكل هذه الأمور تجعل الحاج في اختبار مهم مع نفسه، هل ينجح فيه أو يخفق؟ لهذا تُطلب السكينة في هذا المنسك، ولأهميتها نادى الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالتمسك بها وحث عليها وهو يقوم بأداء المناسك، حيث ثبت عنه قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى ازدحام الناس، واسراع بعضهم وتثاقل آخرين، وقوة بعضهم وضعف آخرين، فنبه الى الأهم: «عليكم بالسكينة؛ فان البر ليس بالايضاع (الاسراع)». وفي رواية: «عليكم بالسكينة والوقار، فان البر ليس بايجاف الابل والخيل، فما رأيت ناقة رافعة يدها عادية حتى بلغت منى». وفي رواية (تعدو) بدل عادية
6 - التحكم في الجوارح:
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان فلان رديف رسول الله يوم عرفة، قال: فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر اليهن، قال: وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجهه بيده من خلفه مراراً، قال: وجعل الفتى يلاحظ اليهن، قال: فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يا ابن أخي: ان هذا يوم مَنْ ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفر له».
فالمسلم في كل العبادات التي يتقرب بها الى الله، يعبده بكل جوارحه، ولا يقوم بأداء الشعائر كأداء المهام التقنية، بل يجب أن يحسّ بحلاوة العبادة ويتذوقها، وهذا لا يتم الا اذا أخضع جميع جوارحه لله تعالى، فالعين غاضة الطرف عن محارم الله، واللسان مقيد الا عن ذكر الله، والأذن صماء الا عما يرضي الله، واليد مسلسلة الا عن الخير والمعروف، والرّجْل لا تمشي في ما يُسخط الله، والبطن لا يقبل أن يدخله ما عنه نهى الله.
وينبغي على الحاج أن يتجنب ما يلي:
1 - الرفث:
والرفث من رفث يرفث بكسر الفاء وضمها، وهو الجماع وغيره مما يكون بين المرأة والرجل، يعني من تقبيل ومغازلة ونحوهما. وهو أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع، ومنه قوله - تعالى - : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ الَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]. وهو رذيلة ساقطة توغر القلب، وتذهب بالاحترام، وتغرس العداوة والبغضاء بين الأفراد. وهو كل كلام ساقط يُستحيى من التلفظ به والاستماع اليه، وتشمئز منه النفس وترفضه المروءة، فمثله لا يصدر الا من سفهاء الناس وغوغائهم، وهو من الأمور المنهي عنها في الحج لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ حج البيت ولم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه».
2 - الفسق:
والفسوق من الفسق، ويعني: الخروج عن طريق الحق، وترك أمر الله كما فسق ابليس عن أمر ربه.
وفي الحديث سميت الفأرة فويسقة، تصغير فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وافسادها. قال - صلى الله عليه وسلم: «خمِّروا الآنية وأوكوا السقية، وأجيفوا الأبواب، وأكفتوا صبيانكم عند العشاء، فان للجن انتشاراً وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فان الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت».
وقال أيضاً - صلى الله عليه وسلم - : «خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والكلب العقور»، وانما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن.
والفسوق أنـواع:
أ - جميع المعاصي: وهو قول ابن عباس وعطاء والحسن وابن عمر، حيث قال ابن عمر: «اتيان معاصي الله - عز وجل - في حال احرامه بالحج؛ كقتل الصيد، وقص الظفر، وأخذ الشعر.. وشبه ذلك».
ب - الذبح لغير الله: وهو قول مالك وابن زيد.
لأن الحج لا يخلو عن ذبح، وكان أهل الجاهلية يذبحونه لغير الله فسقاً، فشرعه الله - تعالى - لوجهــه نسكاً، ومنه قوله - تعالى - : {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145].
ج - التنابز بالألقاب: قاله الضحّاك، ومنه قوله - تعالى - : {وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الايمَانِ} [الحجرات: 11]. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : «سباب المسلم فسوق». وقال النووي في الأذكار: «اتفق العلماء على تحريم تلقيب الانسان بما يكرهه سواء كان صفة له كالأعمش، والأعرج والأحول والأصفر، أو كان صفة لأبيه أو لأمه، أو غير ذلك مما يكرهه».
قال ابن العربي المعافري - رحمه الله - : «والصحيح جميعها».
وقد حذَّر منه الرسول الكريم، وبشَّر مَنْ تجنبه بالمغفرة التامة، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه».
بل حذَّر من رمي المؤمن به فقال: «لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق أو يرميه بالكفر الا ارتدت عليه ان لم يكن صاحبه كذلك».
والفسوق في مقام الحج ينصرف الى الآثام والمعاصي التي تهدم الأواصر وتفكك الروابط، كالسباب والشتائم والغيبة والنميمة وتتبع العورات، وغيرها من الأمراض اللسانية التي تُسهم في تفكك العلاقة بين أفراد المجتمع.
3 - الجدال:
ويطلق في اللغة على معان؛ أهمها:
أ - الصرع والغلبة، تقول: جدل الرجل؛ أي صرعه وغلبه في الجدل.
ب - الاتقان والاحسان، تقول: جدل الحبل جدلاً؛ أي أحكم فتله وأتقن.
ج - شدة الخصومة والمناقشة، تقول: جادله مجادلة وجدالاً، ناقشه وخاصمه، ومنه قوله - سبحانه - : {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
د - مقابلة الحُجّة بالحُجّة: جادل فلان فلاناً؛ أي قابل حجته بحجته عنده.
ولا تعارض بين هذه المعاني جميعها، فان اتقان الخصومة وحسنها والمناقشة؛ ينتهي الى الصرع والغلبة غالباً.
وهو في الاصطلاح: «القصد الى افحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه، ونسبته الى القصور والجهل فيه»، وهو غالباً ما يكون في المسائل العلمية.
وللعلماء في الجدال في الحج أقوال مختلفة: منها المماراة، والسباب، والاختلاف في زمن المناسك أو أماكنها أو طريقة الأداء، وهذا لا يجوز مطلقاً؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض...»؛ ليتبين بذلك أن أمر الحج له يومه ووقته، وقوله: «خذوا عني مناسككم»، وأن مواقف الحج ومواضعه واضحة بيِّنة ولا ينبغي الجدال فيها.
والجـــدال في الحــج مــن الأعمال المنهي عنها؛ لقـول الله - تعالى - : {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْـحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْـحَجِّ} [البقرة: 197]، ولأنه من أقبح الخصال وأشنعها؛ لما يسببه من اختلاف وفرقة تسهم في التنافر والقطيعة بين المسلمين والاخوة والأصدقاء والمقربين.
4 - الرياء:
وهو في اللغة مشتق من الرؤية، تقول: أرأى الرجل؛ اذا أظهر عملاً صالحا، ومنه قوله - تعالى - : {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْـمَاعُونَ} [الماعون: 4 - 7]. ومنه قوله - تعالى - أيضاً: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ}
[الأنفال: 47].
ومعناه اطلاع المسلم الناس على ما يصدر منه من الصالحات طلباً للمنزلة والمكانة عندهم أو طمعاً في دنياهم، وهو ما صرح به العز بن عبد السلام في قوله: «الرياء أن يعمل لغير الله».
ويكفي بياناً لخطره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعد أن قصد الحج: «اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة» وفي الحديث: «مَنْ يرائي يرائي الله به».
وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضاً: «ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله - عز وجل - يوم القيامة اذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟».
وفي رواية عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فسيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَنْ كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً».
5 - السمعة:
وهي في اللغة مشتقة من سمَّع، تقول سمَّع الناس بعمله؛ أي أظهره لهم بعد أن كان سراً.
وفي الاصطلاح اسماع المسلم الناس ما يصدر منه من الصالحات طلباً للمنزلة والمكانة عندهم أو طمعاً في دنياهم.
وقد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه أن يقي حجه من السمعة؛ بقوله: «اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة».
هكذا يحقق المسلم الحجة المبرورة، ويتحقق له بذلك ما وعد به المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : «الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة». < p>< p>