محمد صالح السبتي / الإسلام والكنائس ... وضرورة التجديد في الفتوى

1 يناير 1970 06:15 م
لست أريد الدخول في ما وقع في المجلس البلدي أخيراً حين قرر منع بناء كنيسة جديدة، إذ قد يكون هذا المانع فنياً أو إدارياً دينياً، لكن سوف أنقل للقارئ الكريم بعض النصوص الدينية والتاريخية التي توضح الخلل الكبير في فهم تعاليم الدين عند المتأخرين من مدعي العلم في زمننا هذا... فقد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم عهداً مع نصارى نجران جاء في بعضه (لنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد... ولا يغير أسقف من سقيفته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته... وليس عليهم (أي النصارى) دنية (أي لا يعاملوا معاملة سيئة). وفي بعضه (أن أحمي جانبهم وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم (أماكن تعبد) وبيوت صلواتهم...).

وقد روى عن الإمام علي رضي الله عنه قوله «إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا». ومن كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد ينصحه (... ونح منازلهم (أي الجيش) عن قرى أهل الصلح والذمة... فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ أحد من أهلها شيئاً، فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها...).

وفي كتب التاريخ (أن أهل سمرقند من النصارى اشتكوا أميرهم السابق

قتيبة بن مسلم لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لسوء معاملته (سلبهم شيئاً من أراضيهم)... فكتب عمر بن عبد العزيز إلى أميره على سمرقند (ان أهل سمرقند اشتكوا إلي ظلماً أصابهم وتحاملاً من قتيبة عليهم، فإذا أتاك كتابي فاجلس إلى القاضي لينظر في أمرهم...). وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل القدس (أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم...).

وقد خاطب المولى عز وجل أهل الأديان السماوية بألطف عبارات فقد ورد في القرآن واحداً وثلاثين مرة لفظ (يا أهل الكتاب) وخاطبهم بقوله (الذين أوتوا الكتاب) في ثلاثين موضع.

إن هذه النصوص الدينية والتاريخية كلها جاءت، والمسلمون في وضع القوة والانتصار، وكان هذا تسامحهم وحكم الشرع في أصحاب الديانات الأخرى، إذاً كيف الحال والمسلمون في موقف الضعف والهزيمة المعنوية والمادية كما هو الحال الآن! إن النصوص الشرعية يجب أن توضع مواضعها وأين تعمل وأين يعمل غيرها. ماذا لو عاملنا الغرب بالمثل وفق المعاهدات الدولية والقوانين ومنعوا بناء المساجد في دولهم أو عرقلوها، ماذا يفعل المسلمون هناك؟ ليس لدينا في دولنا مراكز تبشيرية ولكن بالمقابل في الغرب كثير من المراكز الإسلامية. هذا ويجب أن ننتبه إلى مسألة مهمة هي أنهم في موقف القوة والانتصار والتطور ونحن في مركز الضعف والتردي، ومع هذا يسمحون ونمنع.

ان الفقه الديني والفتوى الشرعية عندنا في مأزق فهي لم تسع لتطور نفسها وفق الأحكام الشرعية لتناسب عصرها وظلت حبيسة المنقول والماضي دون أي مراعاة لمقاصد الشريعة وأهدافها.

نحن نعتقد خطأ أننا أسياد هذا العلم ولنا الحق في كل شيء وليس لغيرنا إلا الرضى بما تسمح به معتقداتنا الفاسدة معتمدين بذلك على موروث بالٍ أغلبه تخاريف، والحقيقة أننا لسنا سوى عالة على العالم نقتات على فتاته علمياً وتطوراً وثقافة وأداء.

ان وقفة صادقة قوية مطلوبة من علماء متفتحين يعرفون مقاصد الشرع ويجيدون قراءة نصوصه ليصدوا هذا التيار المتخلف. أعلم جيداً أن هناك خلافا فقهي قديما على جواز بناء الكنائس في بلاد المسلمين من عدمه، كما أعي أن هذه الفتوى من التاريخ الماضي غير الملزم لنا، وأعي أن الشرع له مقاصد عامة لأفراد كل زمان أن يحققوها وفق مصالحهم ووفق مراكزهم وأماكن وقوفهم في هذا العالم سواء كانوا في المقدمة أم المؤخرة، وسواء كانوا لهم تأثير في هذا الكون أم متلقين من غيرهم.

وهي في النهاية دعوة لكل صاحب علم وفهم وبصيرة أن يؤدي دوره في مجتمعه، وألا يلوذ بالسكوت.





محمد صالح السبتي

كاتب كويتي

[email protected]