القلب مركز الوعي ومنبع الحس ومنه يتدفقُ شعورُ الإنسان، فمن حفَّ قلبَه بخير الكلام وخلاصة الحكمة، وطيِّبِ اللفظ نضح القلبُ بما فيه من خير، هكذا يتأثر القلب وتتكوَّن المشاعر عند أبنائنا وطلبتنا من بدايات علاقاتهم مع معلميهم؛ فالمعلم أمام تحدٍّ كبير يرتبط بمسؤوليته تجاه واجبه المهني وتجاه وفائه لوطنه ومجتمعه، وكلها أمور تقود إلى استحضار جملة من العناصر التي تأخذ بيد المعلم للارتقاء بشعور الطالب ومن ثَمَّ يكون الطالبُ مستعداً استعداداً نفسياً ليتلقّى العلم، ويقبلَ التهذيب لأخلاقه وعاداته، ولن يكون عصيّاً أمام توجيهات معلمه لِيُقَوِّمَ بعضَ سلوكياته. لعلنا حين نتعامل مع الطالب في مراحل تعليمه المختلفة يهمنا معرفة أن في الإنسان حاجة تدعوه للتفكُّر واستدعاء مكامن العقل والربط بين السبب والمسبب، وفي مرحلة متقدمة يستطيع بخبرته أو من خلال تدريبه أن يتوقَّع النتائج بعد النظر في المقدمات والمعطيات؛ كل هذه العمليات يقوم بها العقل، أما القلب فهو قادر بتكوينه أن يحوي المشاعر ويقدِّر باهتمام الوفاء لأهله، وهو يعبر عن ذلك بكلمات أو بابتسامة أو ربما بتصرف يصوِّر عن طريقه ما يخفي من مشاعر، وربما يقوم بالدور ذاته النابع من مشاعره ولكن على النقيض من الحب فيعبر عن الكراهية أو النفور ربما بالكلمات وربما بتمعر الوجه أو بالاعتداء أو الانتقام أحياناً، إذاً الطالب مزيج من هذا كله والمعلم أمام هدف سامٍ يتلخص في السعي للارتقاء بمشاعر الطالب نحو المعلم أولاً لأن المعلم هو مفتاح العلم وصورته أمام الطالب، ثم تجاه ما يرتبط بالمعلم من مادة وأفكار وأنشطة، ولا يكون ذلك إلاّ بتوازن واضح في عرض الأفكار ومناقشتها بجوٍّ لا ينفر منها القلب ولا يسخر منها العقل، وهنا يجدر أن نعي أن عقل الطفل ليس أقلَّ في مكوناته من عقول الكبار؛ فما نعتقد أننا نمرِّرُه على عقول الصغار وأنهم لم ينتبهوا له هو أمر غير صحيح، عقول أطفالنا وعقول طلابنا عقول تأخذ الأفكار وتقارن بينها وتحفظها وحين تواجه في المستقبل ما يؤيدها أو يكملها تكون النتيجة إيجابية، وخلافاً لذلك إن قابل الطلبة في مستقبلهم ما يناقض أو يكشف استهانة المعلم بعقول طلابه ستكون النتيجة سلبية ليس على الطالب فحسب، ولكن على العملية التربوية من ناحية وستمسُّ مبدأ الأمانة وإتقان العمل من ناحية أخرى، إذاً خطاب المعلم للطالب يجدر أن يكون مزيجاً يجذب عاطفة الطالب دون إفراط ويستدعي تساؤلات العقل دون تهويل، واجب المعلم النابع من طبيعة مهنته أنه يبحث عن أساليب في حواره مع الطالب تكون أكثر إقناعاً تجذب الطالبَ لِيَصل به إلى الاقتناع بفكرة أو الأخذ بيده للوصول لحقيقة ما، ويكون ذلك عن طريق أمور تدخل في دائرة اهتمام الطالب، وإلاّ سيطير الكلام مع الهواء، لذلك إن كنا نهدفُ إلى الارتقاء بشعور الطالب إلى موضع نغتنم فيه فرصة التغيير في فكره والتقويم لسلوكه فليس من الحكمة أن نُحدِّثَهُ عن أمور لا تهمُّه ولا تشغل تفكيره؛ مثلاً (كالمعلم الذي يتكلم مع طلبته ويضرب لهم أمثلة ويستشهدُ بمثال يرتبط بقدرات البشر وأن الإنسان وصل إلى القمر وحصل على معلومات مهمة)، ولعل الطلبة الذين يحدثهم يعرف كلُّهم أو معظمهم أن الإنسان قد وصلتْ وسائلُه منذ أعوام إلى سطح المريخ وهو يفكر اليوم في حياة مرتقبة هناك! إن الارتقاء بشعور الطالب تجاه معلمه وتجاه المادة الدراسية يتطلب من المعلم حرصاً شديداً لانتقاء الأمثلة والشواهد التي يعيش الطالب في جوها ولا تُصوِّرُ المعلمَ وكأنه في وادٍ والنشاط اليومي للطالب في وادٍ آخر، وليس بعيداً ان نقول ان مسائل واهتمامات تلامس نفس الطالب ومشاعره في يومه وليلته يجد المعلمُ نفسه في ميدان الحديث عنها سواءً أكانت لطالب طفل يدور في دائرة البيت والقصص التي يشاهدها أو يسمعها وأفلام الكرتون التي تسبح في مخيلته أو لسن أكبر من ذلك، يجب أن يعي المعلم هذه الشريحة وما يستجدُّ في حقلها من جديد أوَّلاً بأوَّل ليكون من السهل عليه الارتقاء بشعور الطالب واستنفار اهتمامه تجاه المادة والفكرة التي يهدف للوصول إليها مع الطالب، وتكون الصورة ذاتُها مع الشرائح الأكبر في سن المراهقة، من شعور لدى الطالب ببوادر الذكورة في نفسه وشعور الطالبة ببدايات الأنوثة لديها، وهذه الأشياء تتبعها اهتمامات ويسخر لها الطالب وقتاً ومساحة في التخيُّل والتفكير يجدر بالمعلم أن يستحضر أداء مناسباً ودقيقاً للارتقاء بشعور الطالب دون كبت أو تعنيف، مستجلباً الرفق في كل مراحل أدائه التربوي والتعليمي، وكذلك في مرحلة أكبر يمر بها الطلبة وتكبر معهم همومهم، فسيكون من الاستخفاف بهم ومدعاةً أنْ يشردوا بعقولهم عنا إنْ حدّثنا المراهقين حديث الأطفال أو حدَّثنا الشباب حديث المراهقين، وهكذا يلزم ارتقاء المعلم بشعور الطالب أنْ يطرحَ المعلوماتِ والوقائعَ بما يلامس النشاط اليومي للطالب وأن يربطها بهمِّهِ النفسيّ.
علي سويدان
[email protected]