محمد العوضي / خواطر قلم / غِيَابْ «المهدي» ... صدمة معرض الكتاب!
1 يناير 1970
07:01 م
قبل أن يطفئ معرض الكتاب يوم الإثنين الماضي أنواره بنصف ساعة جلست في ركن «الفنون التشكيلية» التابع للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب... وسألني مراقب إدارة الفنون التشكيلية مشعل الخلف ما رأيك بالفن؟ قلت له: الجواب يطول لكني أرى أن الجمال والفن من أهم العناصر الوجودية في حياة الإنسان التي تميزه وتعطيه الفرادة بين الكائنات الحية، أي أن الفنون وتذوق الجمال أدلة تهزم بها الفكر المادي القاصر والفلسفات المادية التي حرمت نفسها الامتداد.
وضربت للأستاذ مشعل وأصحابه مثلاً من أطروحة المفكر الكبير «علي عزت بيجوفيتش» في كتابه الإسلام والغرب، من حيث انه انتقد ونقض الدارونية المادية بمادة الفن وخاصة الابداع الانساني اي انه لم يهدم نظرية دارون في بعدها المادي من المدخل البيولوجي كما هو الحاصل في المعارك المتبادلة بين مؤيدي ومعارضي نظرية داروين وبين البيولوجيين أنفسهم في الرد والرد المضاد وإنما عن طريق عجز وفشل الداروينية عن تفسير الجانب اللا مادي من الظاهرة الإنسانية. ومن ذلك عجزها عن تفسير ظاهرة الفن، فالنظرية الدارونية تجتهد في تفسير الجانب التشريحي لذراع أي إنسان ولكنها تخفق في تفسير ذراع فنان مثل مايكل أنجلو الإيطالي المتوفى 1564 وأحد عباقرة عصر النهضة. ومن أعظم الفنانين على اختلاف العصور صاحب لوحة «يوم الدينونة» الشهيرة، فما بالكم بذراع الشامبنزي؟! ثم قلت للاخوة ان عندنا في الكويت ثروة علمية كبيرة اسمها (الدكتور محمد المهدي المصري...) وسأحاول أن ألتقيه بعد المعرض لأستفيد منه.
فقالوا لي: انه توفي منذ يومين - رحمه الله - كان الخبر ثقيلاً على نفسي، هل تعلمون من هذا الرجل؟ كان أستاذي في الثانوية العامة، وكنا طلبة مستوى الثالث والرابع نعجب من شخصيته مرتب الأفكار، سلس في الاسترسال، لا يتلعثم ولا يتوقف، يزيدنا من المعلومات والتفريعات حول الموضوعات التاريخية بما ليس مقرراً علينا لينفعنا، جاد، قوة شخصيته في هدوئه، الجميع يحترمه الطلبة والأساتذة، وكنا نسميه البروفيسور أو الدكتور لتميزه... يقول صديقنا مهنا حمد المهنا مراقب التراث العربي في المجلس الوطني للفنون والثقافة والآداب يعتبر الرجل مرجعاً أصيلاً في تراث الفنون التاريخية والآثار... كان آخر لقائي معه في مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العام الماضي في حفل توزيع الجوائز العلمية عندما جمعتنا طاولة واحدة الدكتور محمد المهدي والدكتور صبري الدمرداش والدكتور حسان الطيان والدكتور عدنان الحموي ووائل الرومي وآخرون... أرجو أن أحصل على بعض الصور التي جمعتني وأستاذي العظيم محمد المهدي في تلك المناسبة.
اتصلت قبل كتابة المقال بساعة بهاتف المرحوم فردت عليّ ابنته «دينا» وقلت لها أنا فلان تلميذ الوالد فقالت كان فخوراً بك ويذكرك بخير، قلت لها كان أبوكِ محط اجماع على فضله وعلمه وخلقه وعلمت منها انه توفي بعد دقيقة من تعليقه القيم في ندوة حوارية في ديوانية المسرح العربي في خيطان والتي كانت حول موضوع (التحريم والتحليل للتصوير الإسلامي) وأخذت منها هاتف الأستاذ حميد خزعل الذي كان معه في الندوة الذي قال: كانت حياته هادئة ولكنها مليئة بالعلم كما أسلم روحه بهدوء بعد دقيقتين من التعليق... وقال لقد صارحني في المهاتفة الأخيرة بعد صلاة المغرب أي قبل بدء المحاضرة بثلاث ساعات ونصف الساعة انه يشعر بالوحدة بعد رحيل زوجته من سنتين - وهو ما أكدته لي ابنته (دينا) وهذا دليل وفاء وحب لأم أولاده، وكان سبب اتصاله ليستأذن بوضع احدى مقدماته العلمية على مجلد سيخرج في موضوع فني عن (محبة الكويت) ... كان مؤدباً في كل شيء ولم نسمع منه شكوى قط سوى تلك الشكوى الرقيقة عن وحدته بفقد شريكة حياته وكأن كلماته مقدمة وداع وإعلان للرحيل، أرجو من الدكتور عبدالله الحداد أن يزودنا بآخر تعليقاته وما يملكه من صوتيات وتراث وكما أعلم ان الشيخة حصة الصباح والشيخ ناصر صباح الأحمد لهما من التقدير الوافر للراحل الكبير وهو يستحق أن يجمع تراثه في مجلد ليوضع بين يدي محبي المعرفة، عليك من الله سحائب الرحمة والمغفرة أستاذي العظيم.
محمد العوضي