أماكن / أبوالمعاني الأفغاني (1 من 2)

1 يناير 1970 06:21 ص
| جمال الغيطاني |

كلما ازددت معرفة بالأدب الأفغاني... ازددت حزنا وألما على ما جرى ويجري لهؤلاء البشر، الأصلاء، الأشداء... الذين قدموا إلى العالم هذه الرقة الشفيفة التي نجدها في لوحات مدرسة هيرات المنمنمة.

كاد قلبي ينفطر عندما قرأت اسم هيرات بين المدن التي قصفت بأفتك الأسلحة وأمضاها وأحدثها وأبشعها... كاد قلبي ينفطر على أولئك البشر الذين أبدعوا ويبدعون، ليس حزني على هيرات وقندهار وجلال آباد وكابول وقرى صغيرة أخرى دفنت تحت الأرض بأثقل أنواع القنابل وأفتكها مجردا، إنما حزني على بشر منحوا العالم الشعر والجمال، ثم أودت بهم الظروف إلى ذلك المصير التعس، سعيد الحظ منهم الذي هام على وجهه ليلا هاربا من الجحيم إلى حيث اللامأوى والمجهول.

ليست أفغانستان أحجارا جرداء كما يتصورها البعض أو صحراء أو مجرد قرى فقيرة في بنائها ومضمونها، إنها بلاد ذات ثراء روحي عميق، وسوف أتوقف عند الشعر الذي رحلت عبره خلال الأسابيع الماضية، أدلتي عدة بحوث علمية، عرضتُ لأحدها الأسبوع الماضي، «بلخ في الشعر الأفغاني»، وكتب قدمها إلى المكتبة العربية كبار المتخصصين في الأدب الفارسي والأفغاني، أخص منها كتاب الأستاذ الدكتور محمد السعيد عبدالمؤمن «أفغانستان التاريخ، الشعر، الإنسان» وما أطيل التأمل فيه الشعر، إذ إنه لا يعكس روح هذا البلد العريق، إنما تاريخه أيضا.

***

الشعر الأفغاني الحديث... ليس إلا مرآة للوقائع التي مرت ببلاد الأفغان منذ أن أصبح لها حدود واضحة المعالم عقب توقيع معاهدة روالبندي 1337هـ /1919، التي جعلت لها كيانا مستقلا في المجتمع الدولي، يفصلها عن جيرانها، أصبح هناك كيان سياسي اسمه أفغانستان بعد أن كانت البلاد جزءا من إقليم خراسان الفارسي، وأصبح الأدب الأفغاني يبحث عن هويته بعد أن كان جزءا من الأدب الفارسي، هكذا بدأ الشعراء يحاولون البحث عن هوية خاصة لأشعارهم، تماما كما أصبح لوطنهم حدود وعاصمة، ودولة، هكذا نضجت محاولات استقلال الشعر الأفغاني عن الفارسي رغم أنه مكتوب بالفارسية التي بدأت منذ أن تمكن محمود الأفغاني من إسقاط الدولة الصفوية في إيران، والتي كان الأفغان يدينون لها بالولاء، وقد انعكس هذا في سلوك الشعراء عندما بدأ بحثهم عن طرق جديدة للتعبير.

من أوائل الشعراء الذين بدأوا محاولات الاستقلالية، عبدالقادر بيدل الملقب بأبي المعاني، والمولود في عظيم آباد بالهند سنة 1054 هـ ـ 1632 وتوفي بالقرب من دلهي في الرابع عشر من صفر سنة 1133 هـ ـ 1711 م، ودفن في ساحة منزله ثم نقلت رفاته إلى قرية قرب كابل.

يقول بيدل في مثنويه الأعظم في تسبيح الله:

«التنزيه مصباح، ممساه، والتقديس ربيع روضته، الصمت ترنيمة، بيان للمقال والحيرة ناثرة للورد في حديقة الخيال، الصفاء متضمن في شمول الصفاء والخفاء متخف بطبع الخفاء، لا حزن ولا فرح ولا خريف ولا ربيع ولا نشوة خمر ولا تعلق بساقي، فالناي والنغم والطرب الأخاذ للقلوب محتجبة خلف ستار لحن التوحيد..».

ويقول في إحدى غزلياته:

«إننا غبار يقاسي صفعة الرياح والأحرار أسرى الوحشة

حملنا الآمال وحبسنا الأنفاس فالسفر خطوة طريق وهذا

الزاد، الدنيا مليئة بالظلم مثل غابة القصب والصراخ يعلو من

إصبع التخدير، في كل شبكة حبة من الأماني والصيادون

مشغولون بأنفسهم، ليس من خروج من هذا الماء والطين

فتأوه يا شجر السرو والصفصاف، إن الذبول يريح الروح

وقد نام أمثال فرهاد تحت الأحجار، فاغتنموا رسالتي

إن النسيان هو نهاية الذكريات

وحتى منى يحصى الناس الشرير والطبيب، إنها الدنيا فدعك

من التعداد، سواء كانت طيبة أم قبيحة فاعتبرها زائلة

والملائكة تطير عنها

لقد ظلم الضعف بالشيخوخة القوي فلا تسل عن هذي البيوت

العامرة، لم نثقب هذه الصروح قبل هذا بثقوب كثيرة مع أنها

من الماء والتراب، لم يذهب أنين بيدل عن نغمة الإمكان

ولم يتقادم تجديد الموجودات...»

يقول الدكتور محمد سعيد عبدالمؤمن إن إقامة أبي المعاني في الهند أكسبته استقلالية، كانت سببا قويا لترويج اسمه في أفغانستان، فبدأ الناس يعقدون المجالس لترويج شعره حتى أصبح قدوة لكل من جاء بعده بالنسبة للشعراء الأفغان.