الغش التجاري في الصين: إلى متى التلاعب بالمواد الغذائية؟

1 يناير 1970 06:44 ص
على الرغم من حرص التجار على توفير أفضل المواد الغذائية والاستهلاكية في أسواق المنطقة والمساهمة في رفع جزء من المعاناة التي تسببت فيها الأزمة الاقتصادية العالمية عن كاهل المستهلكين، الا أن بعضهم لم يكن يتوقع أبداً أن يقع فريسة للمصنعين الصينيين الذين أخفوا حقيقة بضائعهم عن المستوردين المحليين.
ففي وقت تتلاحق فيه الآزمات الاقتصادية العالمية وما ينتج عنها من أضرار بالغة على اقتصادات الدول ومن ثم على صعيد الأفراد، يلجأ البعض الى تقليل نفقاته بهدف تفادي مثل هذه الأوضاع من خلال اللجوء الى شراء السلع الاستهلاكية رخيصة الثمن. وتلبية لهذا المطلب الجماهيري، لجأ بعض التجار المحليين الى استيراد منتجات صينية أملاً في سد حاجات السواد الأعظم من المواطنين والمقيمين.
وبينما هؤلاء التجار وثقوا بمصادرهم الصينية، فان غالبية هذه المنتجات احتوت على مواد غير صالحة للاستهلاك الآدمي يأتي في مقدمها المواد البلاستيكية بما في ذلك الميلامين الضار.
لكن حكومات دول الخليج لم تقف مكتوفة الأيدي ازاء هذه الظاهرة، حيث وحدت جهودها لمحاربة هذه الآفة في أعقاب فضيحة الحليب الصيني الملوث بالميلامين فقامت بسحبه من الأسواق وشددت الاجراءات المتبعة على دخول المنتجات الصينية الى البلاد.
ولا يخفى على أحد الفضيحة الكبرى التي تعرض لها قطاع الأغذية في الصين عندما كشفت السلطات المحلية عن قضية خلط حليب الأطفال بلدائن الميلامين البلاستيكية والتي راح ضحيتها أكثر من 300 ألف مصاب و6 حالات وفاة من بين الأطفال الرضع.
ويكفي أن نعلم أن هناك أكثر من 13 ألف طفل يرقدون في المستشفيات الصينية وحدها يعانون من أمراض جسيمة بالكلى نتيجة تناولهم هذه الأنواع من الحليب.
وكانت مصادر رسمية في الصين قد كشفت في عام 2008 عن تعرض آلاف الأطفال الرضع لاصابات بالغة في الكلى بسبب تناولهم ألباناً تحتوي على لدائن الميلامين، وأشارت الى أن هذا النوع من الاصابات يؤثر في صحة الكبار أيضاً لكنه يظهر بشكل كبير في حالات الأطفال الرضع لصغر حجم الكلى لديهم وتناولهم الكثير من الحليب.
واذا كان معظم الأغذية المحفوظة في عبوات من البلاستيك مثل الحليب ومشتقاته واللحوم المعالجة ومنتجات القمح قد تتعرض لأضرار بالغة، فان الضرر الأكبر يقع على منتجات الألبان ومشتقاتها تحديداً حيث يتم خلطها بالميلامين لأسباب كثيرة يأتي على رأسها أنه يشبه الحليب تماماً من حيث اللون وليس له رائحة نفاذة ويحتوي على البروتين الذي يعد العنصر الغذائي الأهم في الحليب مما يوحي بجودة المنتج لارتفاع نسبة البروتين فيه.
كما أن اضافة مسحوق لدائن الميلامين الى الحليب، يوفر للشركات المصنعة لهذا النوع من المنتجات كميات كبيرة من الحليب الحقيقي مما يعني في النهاية زيادة أرباحها بصورة ضخمة. واللافت، ان مثل هذه الشركات المشبوهة لم تعبأ بقرارات بعض الدول منع استيراد منتجاتها حيث قامت بالالتفاف عليها من خلال ارسال الشحنات اليها عن طريق دول أخرى.
وكانت المؤسسة العامة للغذاء والدواء في الأردن قد كشفت مطلع العام الحالي عن أن شركات صينية متخصصة في انتاج وتصدير الحليب تتحايل على قرار منع ادخال أي شحنات حليب صينية المنشأ من خلال تصدير منتجاتها الى دول أجنبية قريبة، ومن ثم تعبئتها من جديد وارسالها الى الأردن ما يؤكد صحة التقارير التي أشارت الى عدم صلاحية هذه المنتجات للاستهلاك الآدمي.
كما ذكر قسم الأخبار في هيئة الاذاعة البريطانية «بي بي سي نيوز» في وقت سابق، أن اضافة مادة الميلامين باتت تدخل بشكل معتاد وصورة روتينية في صناعة منتجات الحليب والأعلاف الحيوانية في الصين. وأضاف أن العديد من السلطات التجارية في الكثير من الدول الآسيوية قام بسحب المنتجات الصينية من الأسواق بعد أن تعرض عدد من مواطنيها للاصابة بأمراض خطيرة جراء استخدامها.
وأوضحت الهيئة أن الفضيحة انتشرت بسرعة بعد اعلان السلطات المسؤولة في هونغ كونغ عن اكتشاف آثار للميلامين في بعض أنواع البيض المنتج في الصين، وأشارت الى أن أصابع الاتهام توجهت الى أربع شركات بعينها استخدمت أعلافاً ملوثة بالميلامين في تغذية الدواجن لكنها لم تستبعد فرضية استخدام هذه المادة السامة في شركات وقطاعات غذائية أخرى بشكل واسع. وأضافت أن مسؤولاً سابقاً في جمعية مقاطعة الألبان الصينية في مقاطعة «جوانغ دونغ» أكد على توافر أغذية ملوثة بالميلامين في الصين دون أن يحرك أحد ساكناً ازاء هذه المشكلة، موضحاً أن القواعد التنظيمية لصناعة الحليب في الصين ضعيفة للغاية ما يساعد ضعفاء النفوس على استغلالها على الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة.
وعلى الرغم من أن الدولة قامت باعدام شخصين في عام 2009 لتورطهم في انتاج وبيع مئات الأطنان من الحليب الملوث بالميلامين، الا أن المشكلة ذاتها لا تزال تتفاقم وتتداول الوسائل الاعلامية المختلفة العديد من الأخبار المتفرقة حول خطورتها بين الحين والآخر.
وكانت الصحف الصينية قد ذكرت أكثر من مرة أن عملية استخدام الميلامين في الصناعات الغذائية وفي مقدمها منتجات الحليب والأعلاف الحيوانية لم تعد سراً لا داخل البلاد ولا خارجها، وأن الدولة تبذل قصارى جهدها من أجل محاربة الفساد والحد من انتشار مثل هذه المنتجات الملوثة.
لكن المحللين والمراقبين في الصين وخارجها أكدوا مراراً وتكراراً أنه من الصعوبة بمكان القضاء على هذه الظاهرة بسهولة، خصوصاً أنهم يعتقدون أنها لا تتناول هذه المنتجات وحدها وحسب وانما تطول الكثير من الصناعات الغذائية الأخرى، خصوصاً معجون وصلصة الطماطم المتوافرين بكثرة في المنطقة كونهما يستخدمان بشكل واسع للغاية في المطبخ العربي.
وكانت تقارير صحفية قد ذكرت أخيراً أن عدداً من المصانع الصينية التي تنتج معجون وصلصة الطماطم تستورد الطماطم من مزارع صغيرة تزرع محاصيلها في مياه البرك، وأن هذه المزارع تستخدم مياه الصرف الصحي في ريّها الأمر الذي أثار مخاوف شديدة حول مدى تلوثها وتأثيرها الضار على البشر. وأكدت بعض المصادر الصحية في منطقة جنوب شرق آسيا أن مثل هذا النوع من الطماطم يحتوي على بكتيريا القولون التي تسبب أضراراً معوية شديدة، وبناء على ذلك أصدر مجلس الزراعة في تايوان أخيراً قراراً بمنع دخول الطماطم والكرفس والفطر والبطاطس المزروعة في الصين حيث يتوقع أن تسير على دربه العديد من السلطات الصحية والغذائية في دول المنطقة.