خيرالله خيرالله / مطلوب «شهود زور» لحوادث السير ومحاولات الانتحار
1 يناير 1970
06:25 م
يمر لبنان حالياً في مرحلة أقل ما يمكن أن توصف به أنها دقيقة، نظراً إلى أنها تشكل تهديداً للسلم الأهلي في البلد. في أساس ما يهدد السلم الأهلي الفتنة المذهبية التي يلعب السلاح الميليشيوي دوره اليومي في ايقاظها وتغذيتها. ليس سراً أن هناك محاولة واضحة لنسف المحكمة الدولية تستند إلى لعبة تقوم على المساومة بين استمرار الاستقرار في الوطن الصغير من جهة وبين متابعة المحكمة لمهمتها من جهة أخرى. مطلوب بكل بساطة ألا تكون هناك محكمة وأن تعتبر السلطات اللبنانية، على رأسها مجلس الوزراء، اغتيال رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الأخرى التي تلت الاغتيال مجرد حوادث سير أو عمليات انتحار...
من لديه أدنى شك في ذلك، يستطيع العودة إلى وقائع الجلسة الأولى لمجلس الوزراء بعد اغتيال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما. سارع اميل لحود رئيس الجمهورية وقتذاك إلى المطالبة، في أثناء الجلسة، بإعادة فتح الطريق أمام فندق سان جورج حيث مسرح الجريمة. كانت حجته أن على المواطنين «العودة إلى أشغالهم» بأسرع ما يمكن. عملياً، كان تصرفه ينطلق من رغبة في طي صفحة رفيق الحريري في أسرع ما يمكن من منطلق أن ما حصل في الرابع عشر من فبراير 2005 يمكن تصنيفه في خانة الحدث العابر الذي لن يكون له تأثير يذكر باستثناء أنه سيثبت أن نظام الوصاية على لبنان - الساحة، بكل مكوناته اللبنانية والسورية والإيرانية، وجد ليبقى وأن لا مكان لأي زعامة لبنانية تتجاوز الطوائف والمناطق وحتى الحدود.
أكثر من ذلك، كانت الرسالة واضحة في اتجاه تأكيد نظام الوصاية يستطيع تحمل معارضة من نوع لقاء قرنة شهوان شرط أن يبقى طابع هذه المعارضة مسيحياً محضاً لا علاقة للمسلمين به لا من قريب ولا من بعيد.
ما نشهده اليوم في ضوء الحملة على الرئيس سعد الدين رفيق الحريري التي يتولاها «حزب الله» أساساً، محاولة للعودة إلى المنطق الذي ساد في مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري. انه المنطق الذي قضت عليه المحكمة الدولية والذي يحاول الآن اللواء جميل السيّد المدير السابق للأمن العام العودة إليه مع آخرين يتقنون الصراخ وإطلاق التهديدات. إذا كان من معنى للمؤتمر الصحافي الذي عقده اللواء السيّد قبل أيام بعيد عودته من دمشق ولقاء الرئيس بشار الأسد، فهو الكلام الذي تناول فيه المحكمة الدولية التي باتت تخيف كثيرين. طالب المدير العام السابق للأمن العام بشكل مباشر وصريح بالغاء المحكمة. أما الشتائم والتهديدات التي تضمنها المؤتمر الصحافي فهي تعبير عن حال من الهلع ليس إلّا. انها شتائم وتهديدات لا تليق بضابط لبناني كبير يمتلك حداً أدنى من الذكاء والقدرة على التحليل وان في حدود ضيقة جداً... اللهم إلا إذا كان يعتقد أن اتيانه على ذكر السيّد حسين الحسيني، وهو سيّد حقيقي ورجل دولة بالفعل، في سياق حملته على الرئيس الشهيد رفيق الحريري، سيساعده في جعل كلامه يكتسب صدقية ما يبدو أنه في حاجة ماسة إليها. لا يكفي الاتيان على ذكر الكبار كي يصبح المرء كبيراً، ولا يكفي الاستشهاد بمناقب رجال الدولة من أمثال الرئيس حسين الحسيني ونظافة كفه حتى تصبح رجل دولة أو تقترب من ذلك!
بعد خمسة أعوام وسبعة اشهر على اغتيال رفيق الحريري، يثبت اللبنانيون أنهم قادرون على مواجهة المحاولات البائسة التي تستهدف النيل من المحكمة. تقوم قدرة اللبنانيين على الصمود على وجود شعور عارم في الأوساط الشعبية في كل المناطق ولدى كل الطوائف بأن الأمل في مستقبل أفضل مبني على التمسك بالمحكمة وتفادي السقوط في لعبة مبتذلة لا طائل منها اسمها «شهود الزور». هذه لعبة قائمة على أسس واهية. من يتحدث عن شهود الزور يهرب من الواقع، لا وجود لشيء اسمه شهود الزور في غياب موقف من المحكمة المختصة في هذا الشأن. لا وجود لمثل هؤلاء الشهود إلا في مخيلة الخائفين من المحكمة والهاربين منها. ربما هناك أيضاً وجود لهؤلاء الشهود في مخيلة شخص مريض مثل النائب ميشال عون لا همّ له سوى تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية وأجهزتها وتهجير أكبر عدد ممكن من اللبنانيين، خصوصاً المسيحيين، من لبنان. هذه هي قضية شهود الزور باختصار شديد. وهذا هو الغرض الذي تستخدم من أجله في هذه الأيام بالذات.
لا تهديد السلم الاجتماعي، كما حصل أخيراً في برج أبي حيدر، ولا الكلام عن شهود الزور يمكن أن ينسف المحكمة أو يرهب اللبنانيين. فالمحكمة خشبة الخلاص للبنان. انها مجرد خطوة أولى على طريق تأكيد أن الوطن الصغير يعرف تماماً أن لا مستقبل له ما دام هناك فريق مسلح لا هاجس لديه سوى اثبات قدرته على فرض قانون الغاب على البلد...
في النهاية ما يختصر قضية المحكمة الدولية الخاصة في لبنان سؤال في غاية البساطة: هل هناك من اغتال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما، ثم سمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، ووليد عيدو، وبيار أمين الجميّل، وانطوان غانم، واللواء فرنسوا الحاج، والمقدم وسام عيد، والنقيب سامر حنا، أم أن هؤلاء قضوا في حوادث سير؟ هل تكمن مشكلة الشهداء الأحياء مروان حمادة، ومي شدياق، وإلياس المر، وسمير شحادة، في أنهم فشلوا في الانتحار... وفي استطاعة شهود الزور اثبات ذلك بالملموس بفضل القدرة على الاقناع التي يتمتع بها السلاح الفئوي؟
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن