علي سويدان / الديموقراطية... والدواء المر

1 يناير 1970 07:54 م
التراجع عن ممارسة الديموقراطية ليس كُفراً ولكنه دواء مرٌّ بل علقمٌ في مرارته يضطر الإنسانُ أحياناً لِشُربه حتى لا يموت أو تنتقل العدوى إلى غيره، وفي الوقت ذاته لا نريد أن نشجع على الاستبداد والتنكر لمبدأ الشورى وتبادل الأفكار، ولكنها الديموقراطية التي نريدها نحن العرب بنكهة تتماشى مع الطبخ العربي، فكلما انتهينا من مرحلة من مراحل ديموقراطيتنا العربية لم نستَسِغْ طعمها وعدنا للطبخ ثانية، لا أريد أن أركز في كلامي على الطبخ كثيراً لأننا مازلنا قريبين من شهر كريم ودَّعناه بالأمس القريب، غير أنَّ السياسة قوتٌ يوميٌّ لا يمكننا أن نصوم عنها، ولله در أمير الشعراء يوم قال:

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ

يَدٌ سَلَفَتْ وَدَيْنٌ مُستَحِقُّ

وَمَن يَسقي وَيَشرَبُ بِالمَنايا

إِذا الأَحرارُ لَم يُسقَوْا وَيَسقوا

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا

وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ

فَفي القَتلى لأَجيالٍ حَياةٌ

وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ

بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

ما من شيء في حياتنا إلا وله قيمة، وكل شيء يصل إلى إنسان دون تعب منه وبذل لن يعرف قيمته، وربما يعتاد على الكسل إنْ لم يصبحَ طمّاعاً يطلب المزيد، (ولكل امرئٍ من دهره ما تعوّدا) ولسنا في بعض صور ديموقراطيتنا العربية إلا نماذج لذلك، فالحرية التي تحدَّث عنها أمير الشعراء لم تصل إلى الشعوب على طبق من فضة، بل الحرية والكرامة والاستقلال عن المحتل، أشياء لا يمكن الوصول إليها دون بذل وتضحية ومقاومة وكفاح، وبعد ذلك ممارسة الحرية فيما بين أبناء الوطن يجدر أن تكون بمسوؤلية ويستحضر من خلالها الجميعُ أنَّ أبناء الوطن جميعاً هم شركاء في تحريرهم لوطنهم وفي تضحياتهم وفي تلك الدماء الطاهرة التي سقت أرض الوطن في يوم من الأيام، ستكون صورتُنا غير نقية إنْ نظرنا لأنفسنا في حالةٍ نقارن فيها اختلافنا في ممارسة الأداء الديموقراطي وفي الإطار نفسه صورة شهداء الأمة الأبرار الذين قدَّموا لنا الوطنَ حراً لنبنيَهُ من بعدهم، إن هؤلاء الراحلين إلى بارئهم في شرقنا الواسع لم يقدِّموا أرواحهم للوطن لنتناحر بعدهم وننسى أهدافنا السامية، وآمالنا الأوسع التي تدعونا لمشروع تفاهميٍّ بين العرب جميعاً؛ إن عناية ومساندة سياسية ومالية ومعنوية من الجميع ينتظرها الوطن المحتل وأهله المأسورون هناك ولا يمكننا أن نُستدرجَ إلى الفتن والخلافات الجانبية ونترك الأهم والأوْلى، كيف يمكننا ممارسة دَوْرِ الْمُنقذ ونحن غارقون في مستنقع من الخلاف؟ لا يجدر بأبناء الوطن الواحد أن يصدر منهم إلا ما يدعو إلى مزيد من تخطي الجراح، وإهمالِ السفهاء؛ وعدم تكرار أو نقل عبارات الإيقاع بين الناس، إن همّاً صادقاً نأمل أن يحمله أبناءُ الوطن الواحد، ليناغم هموم أبناء العرب جميعاً نحو تفاهم متمدِّنٍ، شعارنا فيه أن نختلف دون تشكيك في النوايا، وننظر إلى أولويات العمل الوطني، بعيداً عن الاستجابة للاستفزاز، ولعل الديموقراطية والشورى نعمة فإن تحولتْ ممارساتُنا من خلالها إلى نقمة فلْنعترف أننا لم نصلُحُ حتى الآن لممارسة الديموقراطية، ونحتاج إلى تدريب حقيقي وعلمي تحكمُه فنيّاتٌ خاصة ووقتٌ طويل، أما الآن فممارستنا الحالية إنما هي مساس واضح بمعنى الديموقراطية ويجدر بنا أن نتوقف عن تشويهها، لأن الوطن وتماسكه وقوته أهم من ممارساتنا الخاطئة، ووحدة الوطن خط أحمر إنْ لم نحترمه وَجَبَ أنْ تُقطع اليد التي تمسَّ الوطن أو تُشوِّه صورته.





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]