وقفة مع الشهر الفضيل / ذلك الكتاب لا ريب (24)

1 يناير 1970 05:25 م
| عبد الرزاق العميري * |

مرحبا بك عزيزي القارئ في اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك لنكمل حديثنا عن القرآن الكريم وفي هذا اليوم سنتحدث عن عفة الأسلوب القرآني...

بعد أن تحدثنا بالأمس عن القصص المخجلة التي وردت في التوراة بشهادة الكاتب جوناثان كيرتش ننتقل إلى شواهد تبين عفة الأسلوب القرآني.

نماذج من العفة في القرآن

إن من أبرز الميزات التي امتاز بها القرآن الكريم هي ميزة العفة والحشمة في ألفاظه وتعابيره فتراه متزنا في وصفه، جامع لقوة اللفظ في قشره ولبه، فلا تجد فيه إخلالا في منهجه ولا ادبه حتى في ذكره لحادثة عشق لا تخلو من هفوة قلم لو كتبها احد رواد اللغة.

فترى القارئ يمر على قصة امراة فائقة الجمال تعلق قلبها بشاب عفيف واختلت معه وتشبثت به من دون أن يثير في إشارته لهذا المشهد أدنى مرتبة للغريزة الجنسية.



زليخا مع يوسف

كيف يسردها القرآن بكل أدب ونزاهة، فيقول:

(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لايفلح الظالمون )

أولا: استخدم كلمة راودته، وهي كلمة تستخدم في التأكيد على الطلب بلين وعطف، وكأنها طلبت منه وأصرت بحنان.

ثانيا: لم يذكر اسم المراة إنما قال: (التي هو في بيتها) حفاظا لها ولكرامتها.

ثالثا: زيادة على ذلك أنه كان في بيتها فلا مفر ولا مهرب سوى الرضوخ لما أملته عليها نفسها الامارة، زيادة على هذا (وغلقت الأبواب) لا يوجد غير الاستسلام.

رابعا: ( وقالت هيت لك ) وهي إشارة لدعوتها اليه للتلذذ غير المشروع.

عندها يجيبها (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي) ويقصد هنا العزيز، ولذلك عندما اتضحت الحقيقة أرسل اليه من السجن ليعلمه أنه لم يخنه (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب )



المسيح وأمه

تجد أن القرآن عندما يتعرض الى ذكر المسيح وامه تراه يشير لما يريد التوصل اليه بكنايات وتعابير في قمة الادب، فيقول: (ما المسيح ابن مريم إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ).

إن المعنى واضح من ظاهر الآية أنه يريد القول ان المسيح وامه يأكلان الطعام في قوله (كانا يأكلان الطعام) !!! هل هذا ما اراده كتاب لا يوجد على وجه البسيطة أبلغ منه معنا وأنزه منه ذكرا؟ إن جميع البشر يأكلون ويشربون، إذا ماذا يريد أن يخبر؟!!

هنا يتجلى موقف آخر للقرآن، فهو يريد أن يقول انهم كانا يقضيان الحاجة، لذلك اشار الى أنهما (كانا يأكلان الطعام )

إذا استرسلنا في هذا البحر اللامتناهي الاطراف فلن نستطيع ادراكه لانه يفوق الوصف والدقة، ولكن إشارات سريعة.

نلتقي غدا ان شاء الله لنكمل حديثنا عن العفة في القرآن الكريم وكيف تكون عفيفا... بإذن الله.



* مشرف المركز الثقافي الأسلامي