من روائع العمارة الإسلامية / مسجد ومدرسة السلطان قايتباي
1 يناير 1970
07:31 م
| مهندس جادالله فرحات |
أنشأ هذا البناء السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي الجركسي المملوكي. ولقد ترك سبعين أثراً منقوشا عليها اسمه في مصر والشام وبلاد الحجاز منها ( مسجد ومدرسة ) قايتباي والتي تعتبر أدق وأرشق مثال لمعمار القرن التاسع الهجري والخامس عشر الميلادي حيث أنها توضح مدى الرقي الذي وصلت إليه العمارة في العصر المملوكي. والمشاهد لهذا المسجد لا يملك إلا الإعجاب بجمال النقش وبديع الزخارف ولم يضم المسجد ضريحاً فحسب بل ضم سبيلاً ومدرسة، وقد نسق المعماري كافة هذه المنشآت المتباينة الوظائف في نظام هندسي رائع ووزعت توزيعاً أضفي على المسجد رونقاً وجمالاً ساحراً مع الاحتفاظ بالوحدة في التصميم فجاءت المدرسة والسبيل ومدخل المسجد على يسار الواجهة بالزخارف والأحجار المنقوشة.
وقد شيد المسجد على غرار المدارس ذات التخطيط المتعامد حيث يتكون من صحن مسقوف تتوسطه شخشخية وتنطل على ربعة أيونات متقابلة خلال عقود أربعة وقد راعى المصمم أين يكون إيوان القبلة هو أكبر الإيونات يليه الإيوان المقابل له ( الإيوان الغربي ) ويفوق الإيوانين الشمالي والجنوبي حجماًَ وجعل عقوده من الحجر الأبيض والأحمر في نظام زخرفي رائع. ثم كسا الإيونات الثلاثة بأسقف خشبية مجلدة بالذهب والأزود. ولقد تميز إيوان القبلة بكسوة جدرانه بألواح الرخام الملون وهو يشرف على الدور قاعة بعقد مدبب يرتكز على حرمدان مقرنص وينقسم إيوان القبلة إلى ثلاثة أروقة أوسطها مغطى بسقف مستوى نقش بزخارف مذهبة جميلة ويتوسط الإيوان محراب عبارة عن حنية نصف دائرية خالية من الزخرف تتوجها طاقة معقودة بعقد مدبب تتقدمها دخلة معقودة بذات العقد ومحمولة على عمودين مضلعين لهما تيجان وعقود ناقوسية الشكل. وقد شغلت الطاقية على هيئة الورقة النباتية الثلاثية. ويوجد على يمين المحراب منبر خشبي على جانبيه دخلتان في كل جانب كل منهما معقودة بعقد مدبب ويعلو كل دخلة قمرية مطاولة تحصر بينهما قمرية المحراب المستديرة وسقف الإيوان الخشبي عبارة عن براطيم خشابية ( قطاعات ) ترتكز على إزار ( كورنيش ) ذي حنايا ووسطية تمتد منها لأسفل على هيئة الورقة النباتية الثلاثية ويصدر الإيوان ثلاث دخلات معقودة بعقد مدبب بنهاية كل منها شباك ذي مصبعات يغلق عليها مصراعان من الخشب وتعلوها ثلاث قمريات الجانبية مطاولة والوسطى مستديرة.
وتشرف السدلتان ( جوانب العقد ) على المساحة الوسطى من خلال كردين خشبيين مقرنصين بينهما معبرة وتحوي كل من السدلتين الجانبيتين خزائن حائطية تعلوها قمريات مستطيلة تشرف على الدور قاعة من خلال عقد مدبب يرتكز على كابولي مقرنص وعلى جانبي السدلتين أربعة أربعة أبواب.
ولما كان المسجد يضم ضريحاً أيضاً فإن الإتقان والإبداع في تجميل إيوان القبلة قد ماثلهما في ما جاء من الإبداع والإتقان في الضريح الذي اكتست جدرانه بوزرة من الرخام الملون، كما زينت مقرنصات الضريح المتدلية الأركان بنقوش رائعة في أعناقها شبابيك من الجص المفرغ ملئت فراغاته بالزجاج الملونثم أحيطت نلك الشبابيك الرائعة فناً وإبداعاً بنقوش مذهبة.
وعلى الرغم من أن النص التأسيسي يشير إلى المبنى كمدرسة إلا أن الوثيقة حددت وظيفته كخانقاه ( مكان للسكنى ) بالإضافة إلى كونه مسجداً جامعاً.
إن هذا البناء ينتقل بنا من الطابع الصارم جديداً نابضاً بالحياة والبهجة وكأنه عالم من الخيال تتراقص فيه الألوان الزاهية الملتقية بالسحر والرشاقة ونحن لا نملك إلا دراسة هذه الإبداعات التي تركها لنا هؤلاء الفنانون.
* إمام وخطيب