قلب رمضان
1 يناير 1970
12:43 ص
|بقلم: عبدالله بن سليمان العتيق|
يهب الله، تعالى، عباده أياما مليئة بفيض رحماته وأفضاله، يبعث فيهم فيها روح الاقبال عليه، ويحيي فيهم حقائق التوجه اليه، ليعطيهم في حال الاقبال مزيدا كثيرا، محض جود منه عليهم، وهو الجواد الكريم. رمضان من تلك الأيام الموهوبة للعباد، والممنوحة للخلق كلهم، فقد جعله الله زمنا مباركا، وخصه بالكثير من الخير، وان الخير ان كان ليكمن في الانسان، ولكن للظروف خصائص كما له.
في رمضان يقوم الانسان بالامساك والحبس للنفس عن النقائص التي لا تليق به في حال الزمان، وان كانت لا تليق في كل حال، وعن المنقصات للكمال، والقاطعات عن بلوغ التمام في الأعمال، ليكون الامساك مسكا، والحبس حسبا، فيتحقق في الانسان اثر ذلك المعاني المقصودة من الزام الانسان بعبادة الامساك، فتتم له عبودية الامتثال في الحبس. فذاك الامساك هو سر رمضان، فليس الامساك الظاهر الا صورة لإمساك باطن، فالامساك ما بين ان يكون شيئا واجبا ظاهرا، في حبس النفس عن ممارسة الأشياء الظاهرة كـ: الأكل والشرب وغيرهما. وما بين ان يكون شيئا واجبا، كمالا، باطنيا، لا يقدر عليه الا من أدرك وعرف سر الصيام المخصوص به شهر رمضان، وهو صيانة البواطن من الأدران، والعناية بها من الصارفات عن كمال التمام في الاقبال على الامساك عن النفس وحبسها عن مراداتها لتكون في جنة مرادات الله تعالى، فذاك سر الصيام الذي من أدركه أدرك كمالات الاختصاص المكنونة في «الصوم لي، وانا أجزي به». فتلك هي حقيقة الصيام المرادة، وسره المبتغى.
عندما تتحقق النفس بحقيقة هذه الأسرار الصومية، وخصوصيتها في أيام رمضان، فانها تتهيأ للقيام بوظائف اللجوء الى الله تعالى في ظلال تلك المعرفة النورية، فتنطلق الروح في عبادات من انواع شتى، تتمتع بانوارها، وتتلمس أسرارها، فتكون فيها في حالين: حال تعبد، قائم على قانون دين، وحال تذوق، قائم على ادراكات الروح، وفتوحات الرب تعالى. ولا كمال للحال الثاني الا على طريق الحال الأول، فالأول دربٌ والثاني دأبٌ.
للقرآن الكريم في رمضان طعمٌ خاص، من حيث اختصاص انزاله فيه، ومن حيث فضائل الاكثار منه، ومن حيث اقبال الناس عليه، فله في رمضان حالٌ ليست في غيره من أيام الأشهر الأخرى، فكأنه غدا قرآنا خاصا. وهنا تذوقٌ للتعبد بالقرآن الكريم، في ان يستشعر الانسان القارئ حين يقرأ القرآن الكريم في رمضان انه مقصود به في كل حرف، فكأنه مخاطبا به، وأيضا ان ينظر للآي نظرة الاقتباس واستلهام الحكمة، وان ينظر الى القرآن الكريم نظرة الاجلال الفردية منه له، دون أي اعتبارات أخرى، فالحتم انه سيكون في كل ذلك في حال كمال من الاقبال على القراءة للقرآن الكريم، لانه سيكون في كل لحظة على موعد مع جديد منه، وهنا سيكون الله متفضلا على الانسان بمنحه ما يقصده، فمن صدق في الطلب نال المطلوب. ولا سبق الا لمن صدق. في مثل هذه الحال مع القرآن الكريم، والنفس حينها تجد من لذة القراءة ما لم تجده من قبل، وتكتشف من سر القرآن الكريم ونوره الكثير، فللأزمنة بركات، من الجميل ان يكون الانسان معه ما يقيد ويكتب به ما يرد على قلبه من معرفة وفائدة حول آي يقرأ فيها، وليس في ذلك ما يمنع، لا من حيث الدين ولا من حيث العقل، فالفهوم ليست محصورة على أحد، على قاعدة «رب حامل فقه ليس بفقيه». فللفوائد والمعارف أوقات طائرة، لا تقع الا مرة، فان صيدت والا ذهبت حيث تحط رجل رحلها.
تميل النفوس في رمضان الى الاختلاء بأرواحها، والانعزال عن الناس بالاعتكاف في البعد في محاريب القلب، ما بين اشتغال بذكر، أو عمارة بصلاة، أو مزاولة لفعل خير، وخلوة الروح من جميل منائح الله للانسان في رمضان، فانه سيكون فيها في اقبال على النفس، تأصيلا في كمال، وتكميلا بخصال، قد لا تتهيأ للانسان الا في رمضان آتٍ، وما كل منتظر مدركٌ. فخلوة الروح بذاتها في رمضان محلٌ خصبٌ ليكون الانسان ناهضا بنفسه، وعامرا لوقته. والخلوات مصانع الجلوات، وما تم لكامل أمرٌ، ولا تحقق له شأن الا وله في الخلوة بالروح نصيب كبيرٌ. ولأجل هذا كان الانبياء ذوي سنة في الاختلاء بأرواحهم، وخلوة الروح في رمضان تكمن في لزوم أماكن التعبد للتعبد بالقرآن الكريم أو الصلاة أو الذكر، وتكمن في لزوم أيام عشر في آخره، كلها أو بعضها، يخلو الانسان بروحه وذاته وقتا طويلا في الاقبال على محراب الله تعالى، لينهل من فيض الاقبال عليه.
في تلك الخلوات جود الانسان على نفسه بالكثير الطيب من العمل الصالح المحمود، وحيث كان الانسان ابنا لمجتمعه، وجزءا منه، كان من جميل العمل في رمضان، ومن كمائل الخير فيه، ان يقبل الانسان بالجود على الآخرين، فيكون عونا ومساعدا ومعطاء لغيره ممن يحتاج اليه، فكما منحه الله ليقوم بذلك لنفسه وعلى نفسه، فهو أمره ليقوم بذلك على غيره ولغيره، ليعود عطاؤه عليه، فيكون كدولاب ماء متجدد السقاية. والجود في أيام رمضان من أكمل الجود، فهو جود روح، وجود الروح كمالٌ وجمالٌ في جلال. ولا يكون ذلك الا فيه، لفضل الزمان ليس الا. ولا حد للجود، فالكريم لا يحكم كرمه قيد أحد، وما يقيد الكرم الا بخيلٌ، فالكريم «يعطي عطاء من لا يخشى الفقر وهو موصوفٌ بسر الجائدين الذين» يؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة. ولا أجود من الجود على النفس، وعلى من يتبع، على سنة «عليك بخاصة نفسك وقانون «ابدأ بمن تعول».
من خلال ذلك يدرك الانسان ان الصيام ليس عملا ظاهرا، وانما أمرٌ أريدت منه أمورٌ كثيرة، لا يستوعب الناس حصرها، ولو تكلفوا التنقيب، فالأسرار كثارٌ والسعي عثارٌ. فليكن رمضان الانسان رمضان قلب لا رمضان جسد.