بالتأكيد شيء ممتع مشاهدة برنامج «الكاميرا الخفية»، ومن المشوق أيضاً متابعة أحداثٍ درامية من حلقة إلى أخرى، ولا شك أن في بعض نتاج فضائياتنا العربية ما هو مفيد وهادف ويصب في بناء الروح التي نبتهل كيْ تعود للأُمة من جديد، نعم دخلْنا شهراً كريماً في نفحاته وعظيماً في ذكرياتٍ يحفظها لنا التاريخُ في سطوره من عز ومجد وعدل حملناهُ يوماً من الأيام على أكفنا للعالم، ورسالة صادقة نشرناها نحن العرب بإخلاص وإيمان وهمة وعمل دؤوب؛ فإذا كانت أمة العرب قد اشتهرت في سالف الأيام بمكارم الأخلاق من سخاء وشجاعة ومروءة ونجدةٍ وإغاثةٍ للملهوف وغير ذلك من شمائل وسمات الشرف والنبل، فإنَّ كياناً زَرَعَ أظافِرَهُ في خاصرة وطننا العربي قد اشتهر شعبُه بالمكر والغدر والخيانة من سالف الأيام؛ وحين يمعن الْمُتتبِّع في مراحل التاريخ يجد أن جذور هذه العصابة الدولية مرتبطة بأسوأ الأحداث في العالم ولها دور في إشعال الفتن بين الشعوب، لا أريد أن يستسلم أحد منا للعاطفة فيظن أننا نُورد هذه المعلومات لأننا طرف في المعركة مع هذا الكيان، لأن من مُسلَّمات التفكير ألا يُزكّي الإنسانُ عدوَّه؛ ولكن حين تتفق الآراء المختلفة في المشارب ويذهب العالم بقديمه وجديده إلى الحديث عن تسلل الصهاينة إلى مواطن النفوذ في العالم، وفي مقدمتها استحواذهم على هيكلية السياسة الأميركية ومراكز اتخاذ القرار فيها، واستخدام كل ذلك في استباحة حقوق الغير، يكون الأمر أكثر من واضح، لذلك على سبيل المثال لا الحصر، وبدعم من اللوبي اليهودي في أميركا، لننظر كيف وصل الصهيوني بول فولفوفيتس إلى منصب نائب وزير الحرب الأميركي، وقد أعدَّ بدوره عام 1991م «دليل الأمن القومي الأميركي» وأكد فيه على فكرتين: الأولى أن حلفاء الولايات المتحدة هم منافسون محتملون لابد من منعهم من الطموح إلى دور إقليمي أو عالمي أكبر مما ينبغي, والثانية: تقرّ بأن التدخل العسكري الأميركي سمة ملازمة للشؤون الدولية، ورافق ذلك زيادة الإنفاق العسكري لتصعيد القدرة التكنولوجية الهائلة للعسكرية الأميركية رغم انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وانتهاء الحرب الباردة، واستفراد الولايات المتحدة بالعالم! لذلك ظهر بجلاء أن الهدف الأساسي من وجود أميركا في المنطقة هو السيطرة عليها واستهداف قوميتها ومسح هويتها ورسم خريطة جديدة للمنطقة العربية، وما حدث أسوأ بكثير من خريطة (سايكس بيكو)، فإذا كان الصهاينة يحملون هذا الجانب العدائي للشعوب ويسلكون هذه الطرق الملتوية من جانب والعدوانية من جانب آخر، فأي سلام يُتوقَّع منهم؟ فبينما يحملُ العرب صدق النية لإحلال السلام وهم أصحاب أرض وأصحاب حق نرى هذا الكيان وكل ما يتصل به من تجمعات داخل وخارج أميركا تعمل لصالحه في الخفاء وفي العلن يتجه نحو نسف كلِّ بادرة أمل للوصول إلى السلام؛ إما بمجزرة يرتكبها أو بتسويف لخطوات السلام لا مبرر له في أرض الواقع، إن التزام العرب بموقفهم تجاه إحلال السلام لينبع من إيمان مطلق بحق الإنسان في عيش مطمئن وحياة آمنة للجميع، فإذا كانت إسرائيل لا تريد السلام فلماذا تلجأ للكلام عنه؟ إنها تلجأ إلى الكلام دون أي خطوات حقيقية في أرض الواقع لأن التحايل والتباطؤ وإيهام الآخرين صفة لصيقة بهذا الكيان، أما آلية العمل المعتمدة في قاموس إسرائيل هي إلغاء الآخر وتصفيته واغتصاب أرضه وامتصاص ثرواته، إمعاناً في لغة التسويف ومنطق الالتفاف على العقل، وكيْ تستطيع أمتنا مواجهة أخطار هذا الكيان فإن الجهد المطلوب منا اليوم في الشرق منوط بهمة عالية ونشاط حقيقي مدروس وليس نشاطاً عشوائياً؛ فإن تتبَّعنا نشاط أمتنا في سالف الأيام وجدنا هذا النشاط تتحرك عجلتُه وتنطلق أدواره في شهر رمضان، وما رمضانُ إلا دورة تدريبية تنظمُ السلوك الغذائي للإنسان، وتهذِّبُ أخلاقه وتحدُّ من أخطاء لسانه وجوارحه، فإذا خفَّ طعام الإنسان واستقامت أخلاقُه سوف يصفو ذهنُهُ وتقوى إرادتُه ويلمَعُ تفكيرُهُ، وهذه الدورة مدتها شهر واحد هو شهر رمضان؛ ونحن أنواع فيه: فمنا من يأخذ الفائدة ويجني خلاصة دخوله هذا الشهر، ومنا من يدخل هذه الدورة التدريبية ويخرج كما دخل لأنه غير مستعد من البداية لتغيير عاداته التي تُقيِّدُ طاقاته، ومنا للأسف إذا دخل رمضان أضاف إلى عاداته المقيتة عادات أشدَّ مقتاً، ومع النوع الأخير تنتفي الحكمة من الصيام! وتتلاشى الفائدة المرجوة من أداء القيام، فلا فائدة من الصيام في النهار ثم الانفجار أمام المائدة في المساء، لأن (البِطنةَ تُذهِبُ الفِطْنَةَ)، ولا جدوى من ترك الطعام والشراب والاتجاه إلى القيام والصلاة ثم تبقى الغيبةُ وتبقى النميمةُ ويبقى التكبُّر واحتقار الناس صفات ملازمة للصائم! المجتمعات المتقدمة تسعى لتزيد من فرص إتقانها لعملها ولتطوير منتجاتها ولإضفاء التوازن في النسق اليومي لأفرادها، ومنّا مَنْ يلقي ما هو مطلوب منه على زملائه في العمل، ولا يخطط إلا للسَّهر في هذا الشهر؛ إسرائيل التي تسعى لِتُوسِّعَ نفوذها في المنطقة والعالم لا تنسى أنَّها تلقَّتْ في شهر رمضان هزيمةً نكراء من العرب في السادس من أكتوبر عام 1973م وهي تعمل اليوم بجدٍّ وتراقب أداءنا برصد معلوماتيٍّ دقيق، أما نحن فنبحث عن العطل ومشغولون بين تسابق سياسي أو اختلاف مذهبي أو صراع على السلطة وآخر ما نفكر فيه وللأسف هو الوطن ومصلحة الأمة، فلكل مَنْ حضَّر نفسه لممارسةٍ سليمة ومفيدة في شهر رمضان نقول: (مبارك عليكم الشهر)، أما الذين استعدوا للسهر والتهرب أو التقصير في العمل فنقول: مبارك عليكم السهر!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]