|محمد هادي خلف|
السينما... الفن السابع... ذاك الفن الساحر الباهر، أمتع أبصار المشاهدين، وأسماع البشر في شتى أرجاء المعمورة بجماله وحسنه، أقبل عليه العامة كما الخاصة، وأحبه الصغار والكبار، والبسطاء والأثرياء، على السواء، وقلما يحدث ذلك مع فن آخر، والتي كانت غالباً محصورة بفئة بعينها من الناس، ورغم أنه مرت قبل 15 عاماً من الآن مئوية السينما- اخترعت عام 1895- الا أنها مازالت فتية قوية شابة، يتجدد شبابها وسحرها وفتنتها كلما مرت السنوات. واذا ما شاهد أحدكم - ولا أظن ذلك - سينما البدايات الأولى، والأشرطة التي تلت اختراع السينما، ربما يراها متفرج اليوم ساذجة وبسيطة... أو حتى بدائية في شكلها ومضمونها، ولا يلام في تلك النظرة، لأن هذا هو حال كل بدايات... بدايات الفنون والآداب والمعارف، يبدأ كل شيء صغيراً وبسيطا، ثم يكبر ويتطور ويتقدم حتى ينضج، ويغدو معترفاً به ومحترماً ومقدراً. واليكم اخواننا القراء لمحة خاطفة وموجزة عن ملامح وصفات سينما عصر الريادة، وأفلام السنوات الأولى.
سينما... وأسماء أخرىكلمة سينما «cinema» هي اختصار لكلمة سينما توغراف «cinematograph»، التي استحدثها الأخوان لوميير، وهي الآلة التي اعتمدتها الأفلام السينمائية الأولى في التصوير والعرض. واشتقت كلمة سينما توغراف أصلاً من اللغة اليونانية، وهي مصطلح من كلمتين اثنتين، الأولى «kinema أو kinemat» ومعناها حركة، والثانية «graph»، والتي تعني: صورة وتعني سينما توغراف الصور المتحركة.
ولما احتار النقاد والكتاب في ادراك الخواص التي تنفرد بها السينما، ولسبب التشابه الكبير والواضح بين الأفلام السينمائية القصيرة الأولى، والمسرحيات الممثلة على خشبة المسرح، لذلك سيمت السينما بداية القرن العشرين بالدراما المعلبة، وسميت كذلك الشرائط السينمائية الأولى مسرحيات مصورة، أو دراما فوتوغرافية.
الصوت والصورةبدأت السينما منذ ولادتها صامتة وبلا أصوات، وكانت تصور صامتة وتعرض الأفلام للجماهير صامتة، وربما كان يصحبها عزف موسيقي حي على آلة البيانو، أو عزف على آلات موسيقية أخرى، أو موسيقى صادرة عن جهاز الفونوغراف، وطالما حاول الأوائل ادخال الصوت للأفلام بداية القرن العشرين، وتواصلت هذه المحاولات والتجارب حتى عام 1927 حين ظهر أول فيلم سينمائي ناطق، وهو الفيلم الأميركي مغني الجاز.
والأفلام فجر السينما لم تكن ملونة، وكانت بالأبيض والأسود، وظل والأبيض الأسود بمختلف أشكاله الصنف القياسي السائد حتى أواخر الخمسينات وبدايات الستينات من القرن العشرين. لكن الرواد الأوائل فكروا في تلوين الأفلام. وكان صانع الفيلم يلونها بالفرشاة والألوان اطاراً تلو آخر، كل على حدة، وبالنهاية تعرض ملونة، ولما كان الثمن باهظاً لهذه العملية اليدوية، اتجه السينمائيون الى تلوين الشريط باللون الأحمر في مشاهد الحرائق والنار مثلاً، وباللون الأزرق في المشاهد الليلية. وأول فيلم روائي طويل ملون هو بيكي شارب 1935، لوِّن بطريقة التكنكولور التي بدأ ظهورها عام 1928. ويعود الى تلك الفترة المبكرة للسينما اطلاق مصطلح الشاشة الفضية كناية عن السينما، حيث كان للأفلام الصادرة بالأبيض والأسود بريق وتوهج فضي.
الكاميرا كانت ساكنة وثابتة وجامدة في مكانها، وعلى بُعد محدد، تصور الممثلين الذين يواجهون المتفرجين كما لو أنهم بالمسرح أمام الجماهير، وتسجل الكاميرا الثابتة ما يفعله الممثلون عند اقترابهم وابتعادهم عنها، وتبدأ المشاهد السينمائية بدخول الممثلين لخشبة المسرح وتنتهي بخروجهم منها، استمر هذا الأمر حتى تحركت الكاميرا شيئاً فشيئاً، ودخل المونتاج - التوليف - الى الأفلام، حيث تنوعت أحجام اللقطات وزواياها.
الممثلون الأوائلأغرت السينما- الوسيط الجديد- آنذاك عدداً من ممثلي المسرح بالانتقال للتمثيل في الأفلام السينمائية، انتقلوا لقلة العروض المسرحية المنتظمة، والأجور العالية التي دفعتها شركات الانتاج للممثلين، بعضهم انتقل للسينما نهائياً، والآخر انتقل موقتاً من المسرح للسينما، حيث أثرى بعضهم - الى حد ما- المجال الأدائي والتمثيلي في السينما، وتعامل آخرون مع تمثيل السينما كما لو كان على خشبة المسرح من دون وعي أو تمييز لمتطلبات وخصوصية الوسيط الجديد - السينما. وكان الممثل يؤدي دوراً رئيسياً في فيلم، ثم يظهر في فيلم آخر بدور ثانوي أو كومبارس، ولم يهتم المتفرجون بأداء الممثلين وتمثيلهم، لأنهم شغفوا بالألعاب البهلوانية، والخدع البصرية، ومشاهد الحركة. وكان يصل الممثلون الى مواقع التصوير بلا سيناريو، أو تعليمات حول المشهد الذي سيصورنه، وهم الذين يختارون أزياء واكسسوارات شخصياتهم، ويضعون الماكياج لأنفسهم.
ولقد اتصف الأداء في تلك المرحلة، حيث الممثل يؤدي أو يشرح الحالة الشعورية بالحدث الميلودرامي غالباً، متسلحاً بالأداء التمثيلي الصامت - البانتيوميم، اتصف بموصفات شتى... ايماءات لا تحصى، وانفعالات مبالغ فيها، وتعابير وجه مفرطة، وعبّر الممثل عن الحالات الانفعالية المشحونة، واللحظات الحميمة بنفس الأسلوب والطريقة، دون تمييز واختزال، ويغلب عليها عشوائية مفرطة، غير مدروسة. ومثل هذا الأداء استمد من تقاليد المسرحية في العصر الفكتوري، ولم يدم هذا الأداء طويلاً، عندما فقه السينمائيون تفرد واختلاف الأداء السينمائي، حينها تحررت السينما من تقاليد وأساليب الأداء المسرحي.
[email protected]