علي سويدان / كأسُ العالم... وابنُ المقَفَّع!

1 يناير 1970 07:55 م
كلٌ منا يقدِّر ويحترمُ ما بذل العرب في الماضي من جهد في شتى ميادين العلم، فقد كانوا حلقة وصلٍ متطورة تربط بين حضارة الإغريق وحضارات العالم المختلفة من جهة، وبين حضارة أوروبا وأميركا من جهة أخرى، لكن بيننا نحن العرب للأسف مَنْ يُسفِّهُ نتاج الحضارات الأخرى، ولا يرى إلا نفسه بأنانية الأفق الضيِّق يغني أطلالَ الماضي ولا ينظر للمستقبل، ونعود لبيتِ القصيد لِندركَ جميعاً أنَّ مشكلتنا في نمط تفكيرنا، فربما يشطحُ أحد مع خياله فيعتقد أن فوزَ إسبانيا بكأس العالم له علاقة بحضارة العرب والمسلمين في غرناطة وقرطبة وغيرها من مدن الأندلس، فحين طارتْ أول طائرة في الجو قلنا ان عباس ابن فرناس سبقهم إلى ذلك، وعندما اكتشف اسحق نيوتن أنَّ للأرض جاذبية قُلنا نعرف ذلك منذ قديم الزمان، وكلما تطور أهل الغرب في الطب بجانب معين استهزأنا بجهودهم واستذكرنا بتعنُّتٍ ابن سينا والكنْديَّ والرازي، وكلما سمعنا بجديد ألصقناه بقديمنا، ونسينا قولَ أبي الطيِّب المتنبي:

إنَّ الفتى مَنْ قال هأنذا

ليسَ الفتى مَنْ قال: كانَ أبي

لعلنا كرِهْنا المتنبي بسبب هذا البيت، ولأسباب أُخرى وضع فيها المتنبي أُصبعَه على موضع الألم عند الأمة، وهكذا كثير من كلامنا صحيح، وكثير أيضاً من هذا الكلام مبني على كسل دماغي لدينا متقدم في حالته، جاء في التاريخ: (أنَّ عبدالله ابن المقفّع الذي قدم للمكتبة العربية ثروة من المؤلفات الثمينة بمضمونها قد تواصل مع عيسى بن عليّ عم (أبو العباس السفاح) والخليفة أبو جعفر المنصور في الدولة العباسية واستمر يعمل في خدمته حتى قتله سفيانُ بن معاوية والي البصرة من قِبَلِ المنصور، والأرجح أن سبب مقتله يعود إلى المبالغة في صيغةِ كتابِ الأمان الذي وضعه ابنُ المقفع ليوقِّعَ عليه أبو جعفر المنصور، أماناً لعبدالله بن عليّ عم المنصور، وكان ابنُ المقفع قد أَفْرَطَ في أَخْذِ الاحتياط عند كتابة هذا الميثاق بين الرجلين (عبدالله بن علي والمنصور) حتى لا يجد المنصورُ منفذاً للإخلال بعهده، ومما جاء في كتاب الأمان: «إذا أخلَّ المنصور بشرط من شروط الأمان كانتْ نساؤُه طوالق، وكان الناس في حلٍّ من بيعته»، مما أغاظ المنصور فقال: «أما مِنْ أحدٍ يَكْفينيه؟» وكان سفيان بن معاوية يُبَيِّتُ الحقدَ لابنِ المقفع، فطلبه ولما حضر قَيَّدَهُ وأخذَ يُقطِّعُهُ عضواً فعضواً ويرمي به في التنور)، أما اليوم نبدو مزاجيين وغير منصفين إنِ اخترنا مِنْ تاريخنا ما نشاء لنفتخر به، ثم نتجاهلُ فيه ما نشاء! هذه الحادثة المروعة والصورة البشعة التي قُتل فيها ابنُ المقفَّع لم تحدث في سجن «أبو غريب»، ولا في معتقل «غوانتانامو»، ولم تمارسها اسرائيل في سجونها! ولم تحدث في العصور الوسطى أيام محاكم التفتيش، بل حدثت في العصر الذهبي للعرب والمسلمين في بداية خلافة العباسيين، ومارسناها نحن مع أبناء جلدتنا في الشرق، صحيح أن الجرائم والظلم والتجنّي أمور متكررة منذ بدء الحياة على الأرض ومستمرة حتى نهايتها، ولكن كل هذا ليس ذريعة لنا لِنُمضيَ الوقتَ فخراً بما قدَّم الأوّلون مُتَنصِّلين من دورنا السياسي والثقافي في العالم اليوم! ولعله انحراف في التفكير أن يرفض الإنسان تَقَبُّلَ النقدِ تجاهَ عيوبِه واللجوء إلى ممارسة التعصب في الاعتقاد وعدم مواجهة الذات بأخطائها، وكيف يمكن لأمةٍ مثلَ أُمتنا لها تاريخها الزاخر بالأحداث أن تتخلَّص من تَخَلُّفِها عن ركب المدنيَّة دون أنْ يتقبَّل أفرادُها وشخصياتُها للنقدِ الذاتيّ والانفصال عن سياسة القمع وإزاحة الآخر أو تصفيتُه. إن اللجوء إلى العقل والتفكير المتوازن وتقبُّل الآخر واقتسام العيش معه أمر مطابق للفطرة البشرية، أما نزعة التسلط على الآخر أو إزاحته أو افتراسه سلوك غير بشري! إن الحرية التي نَنْتَقِدُ فيها الغربَ لم نصلْ بعدُ لنقف على ترابها في عصرنا الراهن، ولم نقترب حتى الآن من بداياتها، فكيف نسمحُ لأنفسنا أن نوجِّه سهام النقد إليها؟ إنه من السذاجة أنْ نُوكِلَ مستقبل الأمة والأجيال إلى حركة الجينات ودورتها في سُلالاتِنا ليخرجَ منّا جيل يرثُ النباهةَ من قدمائنا ليعرفَ مصلحتَه. الأديب الأيرلندي الساخر جورج برناردشو، كثيراً ما كان يتحدث عن الإنسان المثالي (Super Man)، وفي يوم أتته مغنية أيرلندية جميلة، وعرضتْ عليه الزواج منها وقالت له: سَنُنْجِبُ ابناً يرثُ ذكاءَك وجمالي، ويكون هو الإنسان المثالي الذي نبحث عنه؟ فاعتذر برناردشو عن قبول هذا الزواج قائلاً بسخريته المعهودة: «آسف يا سيدتي... فنتيجة هذا الزواج غير مضمونة، فربما الابن المولود يرثُ جمالَهُ مِنّي، ويرثُ ذكاءَه منكِ! فيصبح لا شيء...»!





علي سويدان

كاتب واكاديمي سوري

[email protected]