محمد العوضي / خواطر قلم / العتبات غير المقدسة!!

1 يناير 1970 05:20 م
سلسلة المقالات التي أبدأها بهذا المقال هي من وحي ما أُثير من زوبعة سياسية وجدل فكري وتجاذب مذهبي بسبب بعض أسئلة اختبار مقرر التربية الاسلامية في المدارس، وبعيداً عن استثمار هذا الاشكال الذي أخذ أكبر من حجمه - كالعادة - ودخل دائرة المباريات في حلبة الانتماءات أريد أن أشرك معي في همي كل من يرصد الواقع بوعي، ولا يمكن أن ينفع الوعي ما لم تسلم النوايا وتغلب المصلحة العامة على المصالح الخاصة والشخصية، وكلنا يعلم مدى اثر الانتماءات في تحيّز الإنسان إلا أن العقلاء يميزون بين متحيز منصف وآخر متشنج وثالث متهور مخبول!

عندما أدرس الطلبة في الكلية (مقرر الثقافة الاسلامية) وأصل الى باب العقائد، فإنني أتوجه بالسؤال للطلبة: يا شباب هل عقائد المسلمين اليوم في عالمنا الاسلامي المترامي هي ذات العقيدة التي كانت في الصدر الأول من الاسلام ام ان هناك اضافات وتأويلات وامتزاج التوحيد بالعرف بالتقاليد بالاساطير والخبرة الذاتية بالموروث الثقافي أياً كان. فأجد ان الاجابة تأخذ طابع الاجماع على أن زيادات لا علاقة لها بالدين أضيفت الى العقيدة والشريعة معاً، ولهذا جاءت حركات التصحيح وولد رجال الاصلاح الديني.

وأظن بل أجزم ان الركام الكبير من البدع والخرافات والزيادات التي أضيفت للدين كانت أحد أهم الاسباب في زهد الكثيرين من أبناء الدين نفسه بدينهم والنفور من عقيدتهم بل والتشهير بالاسلام الذي ولدوا فيه ونشأوا بين ظهراني أهله، ولقد لمست هذا من خلال لقاءاتي وحواراتي مع بعض المنسحبين من الاسلام أو الشاكين فيه. لهذا وجب على واضعي مناهج التربية الاسلامية الالتفات الى هذا الملحظ الخطير ومن ثم التنبيه على الفرق بين الدين الحق والتدين الزائف... ومعالجته بلطف وعمق، ولعل مظاهر الاضرحة والمزارات الدينية وما يضفى عليها من قداسات ومبالغات في مواسم الموالد وغيرها كانت سبباً لزهد أجيال من الشباب بالدين نفسه فكما نفر كثير من النساء من الدين لأنهن خلطن بين الظلم الواقع عليهن باسم الاسلام من خلال طغيان التقاليد والاعراف على أحكام الشريعة وحلت محل الكتاب والسنة. فكذلك بعض المثقفين الذين اتخذوا مواقف سلبية من دينهم بسبب طقوس احتفالية في بيئات قد تكون صادقة دينياً لكن يعوزها الوعي الشرعي والوعي بمن يستغلهم من خلال عواطفهم الصادقة.

ان على المعنيين بمناهج التربية الاسلامية مهمة ثقيلة جداً فإننا نعيش في فضاء ثقافي مفتوح بل منفلت من أي ضابط والجيل الذي تنهمر عليه المفاهيم بلغة جديدة ومنطق غير مسبوق في حاجة الى تفهم ومن ثم الى خطاب مبتكر يناسب المرحلة والطبيعة الجديدتين.

أقصد ماذا سيكون موقف الشباب من دينهم اذا كانوا يعيشون بين موروث ديني اسطوري احتفالي مليء بطقوس غريبة وبين شبهات مدروسة تقصف أصول العقائد وأصول الدين.

في هذه الحال لابد أن نميز بين المقدس وغير المقدس، واذا كان الماديون والعلمانيون، يعيبون علينا الايمان بالمعجزة والمقدسات، فإن العيب يكون أكبر عندما يغرق الملاحدة وغلاة العلمانيين بمقدساتهم من حيث لا يشعرون فاستبدلوا مقدساً بمقدس، وانكروا غيبيات الدين واستسلموا لغيبيّات الدنيا!!!

ولا تنس أن تقرأ فصل «عتبات التيه غير المقدسة» للناقد الادبي الفذ د. عبدالعزيز حمودة من كتابه «الخروج من التيه» - دراسة في سلطة النص - من إصدارات المجلس الوطني للفنون والآداب «سلسلة عالم المعرفة»، وعندما ننتهي من عتبات المسلمين غير المقدسة نتناول غيبيات وأساطير وخرافات الملاحدة وغلاة العلمانيين!





محمد العوضي