رؤى / الثقافة العربية بين الغفوة والإبداع!
1 يناير 1970
08:43 ص
|فيصل السعد|
الابداع العربي بدأ يحبو منذ ان هجر ثمار شجرته التراثية الناضجة وانشغل بتسلق اشجار غربية لم تنضج بعد، ولا يملك اصحابها الشارة الثقافية القادرة على اغراء الاخرين من ترابهم للغناء معاً، والطرب لهذا النتاج الثقافي او ذاك.
من هنا حاول البعض منهم - وهم كثر في زماننا الضحل هذا- ان يتوجهوا إلى العديد من المثقفين المغتربين اصحاب الاقلام العربية لترجمة، كل ما تجشأ به الشباب الغربي غير الناضج واصدار كتيبات بها، وكل كتيب يحتوي على جزأين: الاصل والترجمة: وكتبت الاصول بمستويات اصحابها الهشة اذ انهم لم بفطموا بعد من هوس العظمة الذي يقود البعض منهم إلى الظن بالوصول التقريبي لقمة الحلم، الوهم الراقد في اذهانهم.
ولابد من القول ان العديد من المثقفين الغربيين القدامى وضعوا في اذهانهم ضرورة الاطلاع على التراث العربي ونشوئه وكيفية التعايش معه من اجل استلاب الثقافة الضرورية، فالمعلومة الثقافية تعتبر هي المرشد والقائد لذهنية حاوية اجوبة لكل الاسئلة الانسانية، ولكن الشباب الغربي غير المثقف بقي راكبا حمارته غير الشرعية محاولا الحصول على صفة المثقف دونما اسس ثقافية، فانتشروا في المقاهي والنوادي الاهلية وعلى هذا الاساس تكونت اكثر من دار اختصت بنشر الادب الغربي غير الناضج وتوزيعه في العالم العربي، وقد التزم شباب تلك المرحلة بسلوكيات حياتية تختلف عن سلوكيات المثقفين الاخرين- كما ظنوا.
والاختلاف اظهروه في مشيتهم وطريقة احاديثهم ولباسهم اذ تكون جيوبهم معبأة بكتب صغيرة، لم ينتزوها من ثيابهم منذ شرائها اضافة إلى وضع اكثر من قلم في الجيب الاعلى الصغير وقد اعتاد بعضهم عدم حلاقة الرأس او الوجه، الا في فترات متباعدة ثم انهم مشغولون بنقاش اللاشيء للوصول إلى اللانتيجة، من هنا يمكن القول بانهم كانوا يجيدون حفظ اسماء المدارس الثقافية ومؤسسيها وشيئا عن اتجاه هذه المدرسة، او تلك لتكون لديهم القدرة على النقاش المستمر وليس بالضرورة ان يكون نافعا.
هؤلاء صادفتهم في كندا وفي لندن ودول اخرى عديدة من خلال ترجماتهم وزياراتي لبعض تلك الدول، جاء هذا الاهتمام من خلال اصابتي بعدوى ثقافتهم، التي مازالت تحبو بل لم تتعلم خطوات السير الثقافي الصحيح، وقد اصابتني هذه العدوى عام 1960 فقد ادمنت القراءة بالوانها فشملت: التراث والشعر بكل الوانه والقصة القصيرة والرواية والمسرحية وبعد ان ارتويت من هذه الثقافات الرائعة التفت إلى الادب الغربي لانه كان يمثل صرعة يبحث عنها المثقفون الذين في بدايتهم - وأنا منهم - وكنت قد وجدت دربي الثقافي في الشعر اذ انني بعثت بقصيدة إلى جريدة - كل شيء - ونشرت وكان مسؤول صفحتها الثقافية انذاك الاستاذ محمد الجزائري.
كان ذلك عام 1964 منذ تلك الفترة وانا ابحث عن قصائد اجنبية سهلة القراءة، اذ انني لم أصل بعد إلى الثقافة المطلوبة القادرة على خلق الذهنية المبدعة الآتية بالجديد، الذي لم يذكره الآخرون وحاولت ان اجده انكليزيا. ظهر شاعر روسي حينها فاق عمر الشباب بقليل اسمه - افتشنكو- وكتب الشعر السهل العبارة خصوصا بالنسبة لنا نحن الذين مازلنا في بدايتنا بالنسبة لفهم اللغة الانكليزية، وقد كتب الشعر الجيد اللافت للنظر لكنه اتخذ من سلوكه الحياتي شكلا مميزا له.
بعد ان نشرت له مجلة - الادب السوفياتي- قصيدة مترجمة إلى الانكليزية المبسطة، وهذا ما هو متبع في جميع مواد المجلة، عرفه الشارع العربي وبدأ المهتمون بالادب - خصوصا الناشئين منهم في البحث عن اخباره ولأني كنت امتلك اولويات هذه اللغة عبر دورة لمدة خمسة اعوام انهيت منها ثلاثة بعملي في شركة نفط البصرة، قررت ترجمة هذه القصيدة سهلة القراءة في تلك السن، التي كنت اراوح فوقها شعرت بالزهو حين قرأت اسمي للمرة الأولى كمترجم، ولكنني - للاسف - لم اعثر على قصيدة اخرى لافتشنكو او شاعر اخر يمشي بدرب الاول قرأت اكثر الأعداد التي حصلت عليها مجلة -الادب السوفياتي - ربما لاني ما استسغت غير لون افتشنكو. عرفنا من الاخبار الصحافية المصرية ان هذا الشاعر الروسي الذي اعتبر ظاهرة حينها وصل إلى القاهرة بدعوة من وزارة الاعلام المصرية، استقبله مسؤولو الاعلام في المطار كان بلا حقيبة، وكل ما معه كان كيسا صغيرا من النايلون فيه ادوات حلاقة وفرشة اسنان مع معجونها، سئل ان كانت له حقيبة ملابس فنفى!
عرفنا هذه الاخبار عبر الصحف المصرية التي اهتمت بهذه الامور الحياتية اكثر من اهتمامها بزيارته الشعرية الخاصة.
انهى اسبوعا في القاهرة كان مليئا بالامسيات الشعرية غير المترجمة، وهناك قلائل ممن يفهمون اللغة الروسية الا ان التعطش كان اكثر لمتابعة طريقته وحركاته في الالقاء، ثم زار العديد من المسؤولين والمناطق السياحية، عاد افتشنكو إلى موسكو ليصمت، ولا ندري اخراسه جاء سلطويا ام ذاتيا فمن المعروف ان الشاعر الحقيقي لا يستطيع ان يكف عن كتابة الشعر الذي يعتبر حالة مفروضة عليه بشكل لا ارادي وقد خلف الشاعر الروسي القشور الحياتية التي اغرت الشباب العربي بهوامش سلوكيات لا ثقافية اذ انهم كانوا يتابعون هذه الثقافة السطحية اللا متعبة والتي تمنح صاحبها صفة مثقف غير شرعي.