أماكن / العيش... في متحف تورينو (2 من 2)

1 يناير 1970 06:23 م
|جمال الغيطاني|

... ثمة نوع آخر من الخبز، كان يصنع من دقيق الذرة، اسمه «البتاو»، وربما كان أصل الكلمة مصريا قديما، انه خبز الفقراء، العيش الشمسي من القمح، والقمح أغلى من الذرة، كان للبتاو قوام أصلب، للأسف غاب عندي طعمه، أذكر رائحته، كانت ممزوجة برائحة حلبة يبدو أنها كانت تدخل في تركيبه، كان عمال التراحيل الفقراء يخرجون من قرى الصعيد في قوافل العمل متجهين الى الشمال لبناء العمارات، أو رصف الطرقات، أو حد الجسور ليسهل على القوم عبور الأنهار والمغازات، كانوا يصحبون أكلهم معهم ليمكنهم الادخار، أما اذا كانوا يعملون سخرة في حفر قناة السويس مثلا أو بناء الجسور فانهم لا يتقاضون أجرا.

كان البتاو يتمتع بخاصية البقاء، والاستمرار، وكان يؤكل مع الجبن القديم، والبصل، منذ شهر تاقت نفسي اليه، انما أردت استعادة مذاق قديم ذقته يوما، ثم انقطع العهد به، عندما وصلت الى مسقط رأسي «جهينة» امرأة خالي، اطال الله عمرها، أن تمدني ببعض أرغفة «البتاو»، ضحكت.

قالت لي ان هناك جيلين على الأقل لم يسمحا به، الآن يعتمد القوم على خبز «الطابونة» أي المخبز العام الذي يبيع الأرغفة من الدقيق الأبيض المستورد، وكثير منهم كفوا عن الخبيز في البيوت، وفي طفولتي لم نسمع بمثل ذلك، كنا عندما نصف أحدهم بالفقر، وقلة الأصل، نقول انه يشتري العيش من السوق، أي لا يخبز في بيته، وكنا اذا أردنا مديح شخص ما نقول «دا زيتهم في دقيقهم» أي عندها الاكتفاء كله.

لقد انقرض البتاو تقريبا، أما العيش الشمسي فمازال يقاوم، واذ أبدأ في أكله أستعيد طفولتي ومذاقي الأول، وأخشى يوما آتيا لا ريب فيه، يسأل عنه قومي فلا يجدونه، وقد يقول قائل لهم:

«أنه معروض هناك.. في المتحف المصري بتورينو».

ودن القطة واللجنة المركزية

العيش البلدي، له المنزلة القصوى عندي بعد العيش الشمسي، وأعني العيش القاهري المخبوز في الأفران العامة، أقصد المتقدمة، الذي لم يتعرض للتجارب التي تجريها وزارة التموين عليه لخلطه مرة بالأرز، ومرة أخرى بما لا يعلمه الا الله، العيش المخبوز من دقيق القمح النقي، بحالاته الثلاث، «الطري» و«المفقع» أي الجاف، الصلب، و«الملدن» أي الوسط بين الطري والصلب.

يسيل لعابي اذ أراه ساخنا، لحظة خروجه من الفرن، ألتهمه «حاف»، أي بلا غموس، أما اذا اقترن بالجبن الأبيض المنقوع في البراميل الخشبية الدمياطية فلا قبل ولا بعد، لقد عرفت هذه النعمة خلال السنوات الأخيرة عندما أضطر الى البقاء في المكتب طوال النهار، ولأنني أخضع لنظام غذائي صارم، فألجأ الى أبسط الأحوال، رغيف بلدي من العيش الطازج «المصريون ينفردون بتسمية العيش للخبز، أي الحياة».

ومنذ طفولتنا نتلقى التعاليم باحترامه، واذا رأينا كسرة خبز في الطريق يجب أن نتناولها ونقبلها ونضعها بجوار الجدار بعيدا عن امكانية الوطأ بالحذاء- والعياذ بالله- واذا أردنا أن نصف قوة العلاقة ومتانة الصلة نقول «دا أنا كلت معاه عيش وملح»، ومن أكل العيش مع آخر فلابد أن يخلص له وألا يخونه.

العيش البلدي جميل الملمس، وأفضله ما كان محتفظا بالردة- قشر القمح- يقولون انها عالية القيمة الغذائية، وهو أيضا مطواع يمكن تشكيله على هيئة أذن القطة لغرف الملوخية أو الطبيخ بها، وبمناسبة ودن القطة، كان أفضل طعام متاح لنا في المعتقل السياسي الذي عرفته العام ستة وستين الخبز البلدي لأنه كان يعد في الفرن الخاصة بالمعتقل، كان طريا، شهيا.

وكنا نتحلق جماعة حول وعاء بداخله ماء مغلي فيه أجسام غريبة يؤكدون أنها خضراوات، وكان المقدار محدودا، لذلك كنا نحرص على مجرد غمس اللقمة لتغيير الطعم فقط، ولكن بعض الزملاء كانوا يتحايلون باتخاذ اللقمة بشكل «ودن القطة» أي استخدامها كملعقة عندما شكا بعض الزملاء خطورة «ودن القطة» مع قلة الزاد، صدر توجيه من اللجنة المركزية التي تدير شؤون المعتقلين للوفاق بعدم استخدام ودن القطة، مع ضرورة الالتزام.