أستاذنا الكبير محمد عبدالقادر الجاسم، أكتب اليك وأنت الحر في سجنك، ونحن المسجونون في حريتنا. أكتب إليك بعد يومٍ واحد فقط من وفاة زميلك في عنبر أمن الدولة بالسكتة القلبية، ومهما كانت أسباب الوفاة، طبيعية أم جنائية، تبقى علامة خطر وجرس إنذار لتقارب ظروف ذلك المرحوم بإذن الله وظروفك، فالعمر متقارب، والعنبر واحد، والأمراض واحدة، قلب متعب، رحم الله الميت وأسكنه فسيح جناته، وحفظك الله لأهلك وللكويت.
لم نخف أن تلين في سجنك، ولم نخش أن تخضع في زنزانتك، ولم نضع في الحسبان أن تتراجع عن مواقفك لتنال حريتهم، نعرفك جيداً ونعرف أي نوعٍ من الرجال أنت، وأي عزيمة وصلابة وقوة تمتلكها. رفعت راية حرية التعبير في وقت كان الآخرون يجهزون العدة لخوض معركتهم الحاسمة وبقية البقية منهم ينتظرون المنتصر ليتقاسموا معه غنائم الحرب التي ستحط رحالها، وصمدت أمام حملات التشويه والاتهامات الباطلة التي استخدمت فيها وسائل غير تقليدية، داخلية وخارجية، ولم تنحنِ للضغوط.
كل ذلك نعرفه ونعرف أنك تعرفه، فقد تتلمذنا على يديك خلال السنوات الخمس الماضية حتى أصبحت بالنسبة لكثيرين مدرسة في حرية التعبير وصاحب السقف الأعلى الذي لا يضاهيه سقف، في ظل انخفاض اسقف الكثيرين، المرتفعة سابقاً، حتى كدنا نراهم يطحنون ما بين السقف وسطح الأرض.
اكتب إليك يا أستاذنا الكبير، لأسألك، وأنت الحر في سجنك، هل اختاروا الرجل الخطأ؟ هل ساقتهم أقدارهم ليواجهوا رجلاً قالها لهم واضحة ومستترة مراراً وتكراراً بأنه لا يخشى السجن، حتى وصل به الأمر إلى أن يعنون مقالاً بـ«اسمعها مني واحبسني كثر ما تبي»؟
أكتب إليك يا أستاذنا الكبير، لأسألك، هل ربحوا بتقييد حريتك وخسارتهم سمعة بلد بأكمله؟ كم يساوي تاريخ أمة في مقابل حرية رجل؟ وكم تساوي سمعة شعب في مقابل «طمطمة» اخفاقات البعض؟ وكيف هما كفتا الميزان الذي حملته إذا ما احتوتا على حرية التعبير والنهج الديموقراطي في كفة، وتقييد حرية التعبير والتضييق على أصحاب الفكر وكل تبعات النهج الشمولي الذي اختفت ملامحه في العالم لتظهر في بلدنا هذا؟
أكتب إليك وأنا على بعد ساعات من الذهاب إلى تجمع العقيلة للتضامن مع أنفسنا وحرياتنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا قبل أن يكون للتضامن معك، لأسأل، كم تبقى لنا من هذا الوطن، يا «بو عمر»؟
سعود عبدالعزيز العصفور
[email protected]