أول عمل تراثي يحاكم في هذا الزمان (2 من 2)

قضية / ألف ليلة وليلة محارب محترف ... المجد للضفائر الطويلة

1 يناير 1970 11:42 م
| القاهرة - من عبد الغني عبدالله |

الموطن الأصلي لألف ليلة وليلة هو الهند وقد اختلف العلماء في تحديد هذا الموطن في شبه جزيرة الهند وانتقل هذا الأصل إلى فارس فكان كتاب «الهزار إفان» الذي سافر غربا** إلى العراق وترجم إلى اللغة العربية، ثم واصل الرحلة إلى الغرب فوصل الشام ومصر وأضيفت إلى الحكايات الأصلية إضافات تحمل خصائص فن الحكاية في هذه المنطقة الواسعة من العالم القديم، ومن هنا يمكن القول ان ألف ليلة وليلة أقرب إلى الآثار الفنية إلى أن تكون وثيقة لهذه البيئة الثقافية ذاتها.

ويحتوي ألف ليلة وليلة على حكايات شارحة كتفسير لظاهرة من ظواهر الطبيعة، بشرط أن يكون التفسير مقنعا للمستمع أو القارئ ويحتوي أيضا على حكايات أخلاقية غايتها تثبيت القيم السلوكية الفاضلة. أما الحكايات الاعتقادية فمثالها يتكرر عن أصحاب القوى الخارقة والجن والسحرة وما إليهم.



الكتاب والعصر الحديث

الكتاب وجد له حسادا وأعداء... والبداية كانت العام 1985 مع المحضر 893 جنح آداب مدينة القاهرة «مصر» واتهام بوجود الفاظ مخلة بالآداب العامة وتخدش الحياء، وتحض على الفساد والفسق والفجور والرذيلة... وأحيل الكتاب متهما إلى المحكمة وأدين وحكم عليه بالإعدام. أما الكتاب فقد وقف صامتا طوال الوقت ومنذ البداية يشحك على الجميع لعلمه بأنه سينتصر في النهاية ومن يضحك أخيرا يضحك كثيرا.

تدخل اتحاد الكتاب المصري وانبرى المثقفون والأدباء والكتاب ورجال التراث والمهتمون به واستأنفوا ذلك الحكم نيابة عن الكتاب الصامت الضاحك... والحقيقة أن المستأنفين لم تكن لديهم نية إنقاذ الكتاب فقط ولكنهم انتووا إنقاذ العصر الحديث كله وإنقاذ العروبة من تهمة سوف تمسك بخواطرهم جميعا وهو إعدام التراث جميعه وتصبح بلا ماض ثقافي أو تراثي ومن ثم حكمت المحكمة ببراءة ألف ليلة وليلة وخرج بريئا حرا منتشرا.

بموجب الحكم التاريخي الذي أصدرته دائرة الاستئناف في محكمة شمال القاهرة في 30 يناير 1986 واليوم أقدم 9 من المحامين على تقديم بلاغ جديد للنائب العام في مصر، ضد ألف ليلة وليلة وضد الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية وبعض المسؤولين عن النشر فيها وضد الأستاذ جمال الغيطاني لإصدارهم هذه الطبعة. التي صدرت ضمن سلسلة الذخائر التي تصدرها الهيئة والجدل حول هذا الموضوع لايتوقف.



تدمير الإبداع

كثيرة هي الأوقات التي تعرض فيها الفكر والإبداع الإنساني، عموما وبكل لسان وبكل لغة إلى الارتداد والتقهقر والهلاك ولم يقتصر ذلك التقهقر على زمن معين أو منطقة معينة... رأينا ذلك في الغرب كما شاهدنا في الشرق.

ففي إيطاليا بلد النهضة الأوروبية الأولى وفي مدينة فلورنسا وقف «سافونا رولا» يدفع بالآلاف من الأعمال الإبداعية إلى محرقة أكلت أوراقها التي كانت تحوي إبداع عقول كثيرة فكرت وأبدعت وقدمت للبشرية تراثا رائعا... ومع الأسف راح محترقا. ويلك نيرون الإمبراطور الروماني فحدث ولاحرج فقد وقف يغني وهو في غاية السعادة أمام روما عاصمة الدنيا وقتئذ وهي تحترق بعد أن وصلت إلى قمة الإبداع البشري في ذلك الزمان من العصر الروماني.

لن نعيد ونزيد في ما فعله المغول.. جنكيز خان وهولاكو وكتبغا الذين دمروا وأحرقوا وهدموا وقتلوا وأبادوا عصارة عقول المفكرين خلال اجتياحهم للعالم... ونخص بالذكر مافعله هولاكو في بغداد وإلقائه بالكتب في نهر دجلة... ثم واصل وجنده الاكتساح الرهيب للبلاد حتى وصل إلى فلسطين مارا بسورية وشمال العراق دمر البيوت والزرع والفرع، وحرقوا المكتبات بما تحمل في خزائنها من إبداع وتراث، وأزال المغول مكتبات سمرقند وفرغانة وتبريز.

أما الرومان فقد دمروا مكتبة الإسكندرية وحرقوها والتي كانت تمثل أرشيف العالم القديم... تلك الأحداث كثيرة ومتعددة فمنها تحطيم تمثال بوذا في أفغانستان حديثا، وتدمير متحف الكويت الوطني ودار الآثار الإسلامية خلال غزو الكويت العام 1990 وضربات إسرائيل ضد عروبة وثقافة وفنون العرب والمسلمين في القدس وضم التراث العربي اليها باعتباره تراثا يهوديا كذبا وافتراء... وسرقة المتحف العراقي بعد غزو العراق.



الهجوم مستمر

مهاجمة الكتاب في العصر الحديث لن ينتهي إلى شيء... وحتى لو أعدموه فهو باق في جهات أخرى وإن أبادوه في كل الدنيا، فهو ذو أثر على معظم المؤلفات الحديثة... فهو يتسرب بالضرورة إلى المناطق الأخرى دون إذن أو استئذان... وهو على أي الأحوال كتاب قادر على البقاء والانتشار، قال عنه الدكتور إبراهيم مدكور للأستاذ سامح كريم «الأهرام»: الكتاب تراث قديم يخجلني مانصنعه به ومانصنعه به يخجلني أمام الأجيال أما الأستاذ مهدي علام نائب رئيس مجمع الخالدين فقال وقتئذ إن التراث يجب أن نتعامل معه دون خوف أو تشويه أو تحريف.

العلامة محمود شاكر قال: الألفاظ المكشوفة في هذا الكتاب طبيعية وينبغي ألا نجهلها. والثابت أن الكتاب وجد منذ مئات السنين وخلال هذه السنين... قرأه الناس ولم يحدث أن قيل إنه؟ أفسد عقلا أو حرض على الانحلال وأن غاية مايراه البعض في أتهاماتهم هو أن به ألفاظا مكشوفة هي في رأيي لاخوف منها فهي ألفاظ العلم وإذا كان لها تأثير ضار فكيف نجد أن العلماء يستخدمونها.

والحقيقة أن البشرية في أجيالها المتعاقبة استطاعت وتستطيع أن تعوض العقول وتعوض البشر ولكنها بأي حال من الأحوال وعلى مر التاريخ كله لم تستطع أن تعوض الخسارة في الفكر الإنساني والفن والإبداع.الذي أقدم الجهلاء والعنصريون على تدميرها وإبادتها بالرغم من أن البشرية مازالت للآن تقدم الجديد والعديد إبداعا جديدا وفكرا جديدا وبالرغم من ذلك لم تنته محاولات الهدم.. الذي هو بالعمد أو بواسطة الحروب والدمار فيها.

ولكن لنا كلمة في النهاية... ان الكتاب لن يموت حتى ولو حكموا بإعدامه ودائما وأبدا «المجد للضفائر الطويلة».



حقائق

قرر اتحاد كتاب مصر في مؤتمر اليوم الواحد بعنوان ألف ليلة وليلة بنودا منها.

- إعلان العام 2010 عاما لألف ليلة وليلة وحماية التراث.

- المطالبة بتدريس فصول من ألف ليلة وليلة في المراحل التعليمية المختلفة.

- الدعوة لمؤتمر قومي لمناقشة الدور الفعال للمثقفين إزاء الهجمة الشرسة التي تتربص بالإبداع والمبدعين.

هذا بعض من كل خلال المؤتمر الذي عقد بقصر ثقافة السينما بالقاهرة وحضره لفيف من الأدباء والمثقفين من بينهم الروائي جمال الغيطاني رئيس تحرير سلسلة الذخائر والدكتور أحمد مجاهد رئيس هيئة قصور الثقافة والدكتور جابر عصفور رئيس المجلس القومي للترجمة والأستاذ محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب المصري واتحاد الكتاب العرب وغيرهم.