لغة الأشياء نهاية / رحلة أبو العلا البشري
1 يناير 1970
08:27 ص
| باسمة العنزي |
«أنا لا أحب أن أكون محترفا للكتابة. وما زلت حتى هذه اللحظة أعتبر أعمالي نوعا من الهواية. نوعا من الهواية التي أحب، بل، وأعشق ممارستها. ولهذا أعشق ما أكتب، وأتوحد مع شخصياتي، وأتعرف عليها بعمق، كأنني أعيش معها. وسيحزنني كثيرا أن أتحول إلى محترف».
***
منذ سنوات بعيدة واسمه قادر على بث الحماس في قلب طفلة لمتابعة أعماله بطريقة التلميذة النجيبة لا المشاهدة الصغيرة، في سنوات ما قبل الفضائيات وتناسل الفنون الهابطة، كم فرحت وشهقت وحزنت وفكرت مع شخوصه في «الشهد والدموع» و«رحلة أبو العلا البشري» وكأنهم من حبر الواقع وجنون الحاضر، وفي كل رمضان كنت أرحل مع تصوراتي وبراءتي لـ «ليالي الحلمية» ممعنة بتفاصيل التفاصيل والتي يتم مناقشتها بين زميلات المدرسة في اليوم التالي لكل حلقة.
أعماله كانت «ظاهرة فنية» في زمن الفن الجميل فكيف هي الآن وكل ما هو جميل يتداعى لصالح السريع والموقت والمعلب؟!
أجمل المسلسلات المصرية التي شاهدها جيلي طوال الثلاثين عاما الماضية، كانت بتوقيعه الذي يضمن النجاح «الراية البيضا» و«الحب وأشياء أخرى» و«عصفور النار» كنت اسعد المشاهدين في طفولتي ومراهقتي وشبابي بفنه وأسلوبه المحترف، الذي برع في جذب الصغار والكبار لعالمه التلفزيوني الباهر.
كان يقدم لنا كمشاهدين منحازين لمنظومته الفنية الراقية، براعة مزيجه السحري من حدوتة ولغة وشخصيات باذخة مرسومة بدقة الصائغ ومهارة الصانع. أبطاله دائما ما يربطك كمشاهد بواحد منهم أكثر من خيط وسمة حتى لتشعر بالقرب من بعضهم والألفة مع بعضهم الآخر وكأنه فرد من عائلتك طوال مدة عرض الحلقات.
أسامة أنور عكاشة لم يكن مجرد اسم من ذهب على تتر أشهر وأهم المسلسلات المصرية للثلاث عقود الماضية، بقدر ما كان مؤرخا دراميا وفيلسوفا وحكيما ومتمردا وصاحب مبادئ في زمن ساد فيه القبح وتلاشت فيه الحقائق.وضع يده على الجراح السياسية والاجتماعية والثقافية وجعل أبطاله الطيبون- المشارفون على الانقراض- يناضلون لتحقيق النصر ولو كان مجرد بلسم واهم في الحلقات الأخيرة.
جميعهم من ملح الواقع وقدرية المفارقة، يقول عنهم: «أفكاري من واقع الحياة. وأشخاصي هم الناس العاديون الذين نراهم يوميا في الشارع. في إحدى المرات سألني أحد القراء من أين أنتقى أسماء شخصياتي... قلت له أنتقيها من الشارع. أنا لا أخترع أسماء، ولا أخترع شخصيات أو أحداث. أنا أنهل من الواقع. والواقع أغنى من خيال أي مؤلف. وهكذا فالهموم التي أطرحها في أعمالي هي هموم شعبي، والطموحات هي طموحات شعبي. أنا مرتبط بالناس وبآمالهم وآلامهم وواقعهم»*.
أبطاله جميعا باستثناء «الشهد والدموع» و«ليالي الحلمية» كان الباب يوارب على نهايات سعيدة يستحقونها، ولا نعرف بعدها ماذا حدث لهم بعد سفح الصفحة الأخيرة!
ولأنه سيناريست محترف ومؤلف متوهج الابداع ظلم كروائي من قبل الكثيرين. بالنسبة لي لم اقتن كتابا له لسبب يبدو لي - الآن - ساذجا، كنت اعقد مقارنة سريعة قبل اتخاذ قرار قراءة عمل أدبي له، وغالبا ما تكون موهبته التلفزيونية المكتملة ارفع من أن ينافسها إنتاجه الإبداعي، كانت المقارنة ترجح كفة ما هو مشهور على حساب شغفه الأول.
رحمة الله عليك يا اسامة تركت عصفور النار، وابلة حكمت، وأبو العلا البشري... لزمن غير زمنهم وشاشات تجهل إطلالتهم وجمهور لن يفهم حكايتهم.
* من حوار مع الراحل أسامة أنور عكاشة