سنوات عديدة لم أزر فيها مدينة الرياض في الشقيقة السعودية، ويبدو لي من زيارتي الأخيرة لها قبل أيام، أن الكثير الكثير قد حدث خلال تلك السنوات العديدة. الرياض تحولت إلى ما يشبه ورشة العمل المتواصلة ليل نهار. جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بالتحديد لفتت انتباهي أول ما خرجنا من مطار الملك خالد في مساء يوم شبه صاف، فالساعة تقارب السابعة مساءً وأنوار الكشافات عالية والجامعة الضخمة في مبانيها نصف المكتملة تعج بحركة المعدات الثقيلة، وعندما سألت قائد المركبة التي تقلنا عما يحدث في تلك المباني السوداء، كان جوابه سريعاً ومن دون تردد: «انهم يعملون 24 ساعة وسبعة أيام في الأسبوع لإتمام هذا المشروع الجبار». ألتفت مرة أخرى إلى تلك الجامعة الواعدة وتمتمت قائلاً، «الله يذكرك بالخير يا جامعة الشدادية».
**
تلقيت خلال رحلتي تلك دعوة كريمة لزيارة معرض الملك خالد الذي يقام هذا الشهر في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي من أجل تسليط الضوء على تاريخ الملك خالد ومرحلة حكمه التي يسميها الأشقاء في المملكة مرحلة «الطفرة»، وقد كنت وللأمانة أتوقع معرضاً رسمياً آخر يبدأ الزائر فيه بالتعرف على إنجازات الحاكم وخطبه والدروع والسيوف والأوسمة المهداة إليه خلال فترة حكمه، إلا أني تفاجأت بمعرض يحكي قصة خالد الإنسان أكثر مما هي قصة وتاريخ خالد الملك. حاجيات الملك وأغراضه الخاصة، بساطته، عفويته، اهتماماته، رسائله إلى أهله وأخوته، أوراقه البيضاء التي سطر على وجهها ما يشغل باله في تلك اللحظة، حسابات رحلة الصيد التي قام بها في عامٍ من الأعوام، رسائل عامة الشعب إلى ملكهم، بالإضافة إلى إنجازاته كحاكم للبلاد، وغير ذلك الكثير الكثير مما يجعل المعرض يحكي بإبداع واضح قصة وتاريخ الملك الإنسان أو الإنسان الملك.
لكنها تلك الرسالة بالتحديد التي تواجهك عند دخولك أولى قاعات المعرض، وقفت أمامها متأملاً ما كتب بيد الملك الراحل. أي حاكم يكتب مثل تلك الرسالة جدير بأن يخلده التاريخ وتحفظه قلوب أبناء وطنه. وأي حرص كان يحفظه الملك خالد لشعبه؟ وأي خوف كان يمتلك قلبه عليهم؟ القادة أنواع، منهم من يخاف الله في شعبه، ومنهم من يخافه شعبه، والملك خالد بالتأكيد كان من الصنف الأول وبتميز.
رسالة بخط يده إلى ولي عهده آنذاك، الملك فهد، عنونها بـ«سري وشخصي للغاية»، كتبها قبل مغادرته المملكة لسبب لم تحدده الرسالة، يوصيه فيها واخوانه بشعبه وبراحته، وبأن يراعوا العدل في قضاياهم الكبيرة والصغيرة، ويذكره فيها بأن الأمانة الآن في رقابكم يسألكم الله عنها مثلما يسألني، وأن الحياة قصيرة ولهم في الآخرين عبرة وعظة، وختمها بعد ذلك بالدعاء له بأن يحقق على يديه ما ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم.
الكثير يمكن أن يكتب حول ذلك الإنسان وذلك المعرض الرائع، ولكن مساحة هذا المقال لن تكفي بالتأكيد. رحم الله الملك خالد بن عبدالعزيز، وشكراً لمن عمل على إظهار ذلك الجانب الإنساني الكبير، فالحكام يرحلون ولا يبقى من ذكرهم إلا ما قدموه لشعوبهم من دون شك.
سعود عبدالعزيز العصفور
[email protected]