خيرالله خيرالله / إسرائيل في الـ 62... 62 عاماً في دعم التطرف
1 يناير 1970
06:25 م
لم يتغيّر شيء في إسرائيل التي احتفلت قبل أيام بالذكرى الثانية والستين لقيامها. لا تزال إسرائيل تعتبر دعم التطرف في المنطقة في أساس سياساتها. تبجحت الصحف الإسرائيلية وعدد لا بأس به من كبار المسؤولين بالانجازات التي تحققت منذ إعلان الدولة في الرابع عشر من مايو 1948 بعد صدور قرار التقسيم في العام 1947، وهو القرار الذي لم يعرف العرب استغلاله، أو إدراك معناه في تلك المرحلة المهمة من تاريخ المنطقة. كان كلام إسرائيلي كثيراً عن نجاحات تحققت خصوصاً في مجال التقدم العلمي، والمشاركة في الثورة التكنولوجية، وتطور الاقتصاد الإسرائيلي، وزيادة عدد السكان. كان التركيز على ارتباط هذا الاقتصاد بالعالم وعدم حاجته إلى العالم العربي. فإسرائيل تبيع تكنولوجيا عسكرية إلى تركيا، وروسيا، وحتى الصين. كان هناك سيل من الكلام عن التفوق الإسرائيلي ولكن من دون ان يطرح أي مسؤول في الدولة أي سؤال من أي نوع كان في شأن معنى هذا التفوق، وهل في الإمكان توظيفه في خدمة السلام والاستقرار في المنطقة؟
لعلّ أهمّ ما غاب عن احتفالات إسرائيل في ذكرى إعلان الدولة، حسب التقويم اليهودي، الكلام عن مشروع سياسي محدد واضح المعالم ينبذ التطرف والاحتلال. تحدث وزير الدفاع ايهود باراك، وهو زعيم «حزب العمل» ورئيس سابق للوزراء، عن الحاجة إلى الاعتراف بأن للفلسطينيين الحق في دولة. نسي باراك أن أي دولة تحتاج حدوداً، وأن لا أهمية لكلامه في غياب الوضوح وترسيم حدود الدولة الفلسطينية استناداً إلى مرجعية تستند إلى الشرعية الدولية. ترك باراك الأمور غامضة وأعطى حقاً لكل الذين يقولون أن إسرائيل لا تريد سوى استمرار الاحتلال للأرض العربية، وأنها تفضل الاحتلال على السلام. وهذا يفسّر إلى حدّ كبير اعطاء إسرائيل الأولوية لتشجيع أي حركات متطرفة في المنطقة على دعم السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة المنبثقة عنها. هناك بكل بساطة حلف غير معلن بين المتطرفين في الشرق الأوسط من عرب وغير عرب وإسرائيليين. هدف هذا الحلف استمرار حال اللا حرب واللا سلم إلى ما لا نهاية. انها حال تخدم كل من يسعى إلى المتاجرة بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في وقت يعرف، كل من يمتلك حداً أدنى من المنطق، أن في الإمكان التوصل إلى تسوية وأن عناصر هذه التسوية موجودة ان بالنسبة إلى الحدود، أو القدس، أو اللاجئين. ولكن هل تريد إسرائيل تسوية، هل تبحث عن حل، أم أنها دولة ذات مجتمع مريض لا يعرف ماذا يريد، مجتمع يتجاهل أن الاحتلال لا يمكن أن يكون سياسة، أو أن يؤسس لسياسة ما.
إلى جانب السعي إلى تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية التي من دونها «لا معنى للدولة الفلسطينية المستقلة» على حد تعبير رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (أبومازن) في الكلمة التي ألقاها في «القمة العربية» الأخيرة في سرت، هناك سعي إسرائيلي إلى محاربة كل من يدعو إلى الاعتدال واعتماد المنطق. أكثر من ذلك، هناك سياسة إسرائيلية تقوم على تشجيع التطرف في كل بؤرة يسودها التوتر في المنطقة. من يصدق مثلاً أن إسرائيل، باصرارها على الاستمرار في حصار غزة، تدعم عملياً حركة «حماس» التي تسيطر بالقوة على القطاع، وتساهم بذلك في إضعاف السلطة الوطنية التي أظهرت من خلال أجهزتها وحكومتها أنها تسعى بالفعل إلى حل معقول ومقبول، وأنها لا تريد بأي شكل العودة إلى العنف، وتؤمن في الوقت ذاته بأن المقاومة للاحتلال مقاومة سلمية. من يصدق التجاهل الإسرائيلي للنصائح المصرية، علماً أن مصر كانت أول دولة عربية تتوصل إلى معاهدة سلام معها
وقد فتحت الباب عملياً أمام تخلي كل دول المنطقة عن فكرة الحرب...
من يصدق أن إسرائيل- بيبي نتنياهو تبذل كل ما تستطيع من أجل احراج الأردن. انها تتعامل مع الأردن كعدو وهو ما تنبه إليه كبار المسؤولين في المملكة على رأسهم الملك عبدالله الثاني الذي لم يتردد اظهار مدى استيائه من رئيس الوزراء الإسرائيلي في مقابلة اجراها حديثاً مع «وول ستريت جورنال». قال العاهل الأردني في تلك المقابلة: «المؤسف، انه للمرة الأولى منذ ابرم والدي (الملك حسين رحمه الله) السلام مع إسرائيل (في العام 1994)، أن علاقاتنا في أدنى مستوى» مؤكداً أن «الثقة السياسية غير موجودة كما لا توجد علاقة اقتصادية حقيقية بين الأردن وإسرائيل». هناك تغيير تام في لهجة الخطاب السياسي الأردني ترافقه مخاوف حقيقية من دفع الفلسطينيين في اتجاه الأراضي الأردنية بما يخرق مبادئ القانون الدولي، والواجبات المترتبة على سلطات الاحتلال في الضفة الغربية، فضلاً عن الواجبات الناجمة عن بنود «معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية».
من الواضح أن إسرائيل تحتفل ببلوغها السنة الثانية والستين من عمرها على طريقتها. كل ما تفعله يصب في مصلحة التطرف والمتطرفين. تراهن إسرائيل على تفتيت المنطقة. تراهن على أن الإدارة الأميركية الحالية عاجزة عن وقف الاستيطان، وعن دفعها إلى طاولة المفاوضات على أسس واضحة في مقدمها تحديد مرجعية المفاوضات. إذا كان مطلوباً في نهاية المطاف اختصار الحالة الإسرائيلية بعبارة، ليس ما يفي بالغرض غير وصف هذه الحالة بالمرضية. أنها الدولة الوحيدة في العالم التي تبني سياستها على الاحتلال، واحراج كل من يتعاطى معها، أو يسعى إلى تحقيق تسوية. خذلت مصر، وخذلت الأردن، وخذلت السلطة الوطنية. انها تدفع في اتجاه انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية كي تتمكن من افراغ الضفة من أكبر عدد ممكن من سكانها في انتظار اليوم الذي تتمكن فيه من طرد عرب أراضي 1948، أي عرب إسرائيل من أرضهم وبيوتهم. إلى أين تأخذ إسرائيل المنطقة؟ هل من يستطيع وضع حد للسياسة العبثية التي تتبعها وافهامها أن كل ما تفعله حكومة نتانياهو يصب في جرّ الشرق الأوسط إلى حرب جديدة؟ المؤسف أن حلف المتطرفين في الشرق الأوسط يشجع على السير في هذا الاتجاه. ليست إسرائيل وحدها التي تدفع في اتجاه الحرب والعنف... ما دام ثمن هذه الحرب وهذا العنف سيدفعه الفلسطيني واللبناني أوّلاً!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن