خيرالله خيرالله / فائدة الانتخابات... بين بلد وآخر
1 يناير 1970
06:25 م
هناك فائدة معينة للانتخابات، أي انتخابات. تكمن المشكلة في أن هذه الفائدة تختلف بين بلد وآخر، وبين منطقة وأخرى. في البلدان المتحضرة ذات التقاليد الديموقراطية العريقة، تعبّر الانتخابات عن طموحات الشعب، خصوصاً عن رغبته في التغيير متى شعر بالحاجة إلى ذلك. يحصل عندئذ استبدال بحزب أو تحالف آخر للحزب أو التحالف الحاكم. الانتخابات، أو هكذا يفترض، جزء من الحياة السياسية، بل في أساس الحياة السياسية في دول ذات مؤسسات راسخة مرتبطة بوجود الدولة المدنية كما الحال في دول الاتحاد الأوروبي، أو الولايات المتحدة، وكندا، واليابان، والبرازيل، على سبيل المثال وليس الحصر.
في منطقتنا العربية وحتى في بلدان اخرى قريبة منها، مثل إيران، هناك وظيفة مختلفة للانتخابات. لكل انتخابات في بلد ما وظيفة خاصة بها، أكان ذلك في السودان، أو لبنان، أو العراق، أو إيران نفسها. هذه الوظيفة ليست بالضرورة ذات طابع سلبي بمقدار ما أنها تكشف واقعاً يساعد في فهم طبيعة المرحلة التي يمر بها هذا البلد أو ذاك.
إذا نظرنا بتمعن إلى الانتخابات التي جرت في السودان قبل أيام والتي تأجل الإعلان عن نتائجها لأسباب واهية، نجد بكل بساطة أن هذه الانتخابات لم تكن مهمة إلاّ من زاوية أنها خطوة على طريق انفصال الجنوب من جهة واحكام الرئيس عمر حسن البشير قبضته على الشمال من جهة أخرى. كان الرئيس السوداني وحزبه، الذي يمثل في الواقع المؤسسات الأمنية والعسكرية، في حاجة إلى الانتخابات كي يعدّ نفسه للمرحلة الجديدة التي يبدو البلد مقبلاً عليها. انها مرحلة انفصال الجنوب نتيجة الاستفتاء المقرر في التاسع من يناير المقبل. منذ فترة لا بأس بها، أعلن الرئيس السوداني أنه سيكون أول من يعترف بنتيجة الاستفتاء الذي سيؤدي، على الأرجح، إلى قيام دولة مستقلة في الجنوب. ولكن هل حسابات البشير في محلها، وهل يكفي انفصال الجنوب كي تستقر الأوضاع في السودان؟ في كل الأحوال، أحسن الرئيس السوداني المناورة، أقلّه إلى الآن، ووظف الانتخابات في خدمة مشروع سياسي معيّن يصب في مصلحته الشخصية ومصلحة النظام الذي أقامه. علينا ألا ننسى أن البشير في السلطة منذ العام 1989، وأنه رفض أن يكون غطاء لأحد. لدى نظامه حالياً أجهزة ومؤسسات تابعة له بدل أن تكون جزءاً لا يتجزأ من الدولة السودانية. الانتخابات في السودان وسيلة للمحافظة على النظام المرتبط بشخص معيّن وحمايته ليس إلاّ. في الدول المتقدمة ديموقراطياً، تتمثل وظيفة الانتخابات في توفير التبادل السلمي للسلطة. في بلد مثل السودان تقتصر الانتخابات على حماية النظام. لو لم يؤمن البشير لنفسه ولحزبه الظروف التي تضمن لهما الفوز في الانتخابات، هل كانت هناك في الأصل انتخابات؟
في لبنان والعراق، تبدو للانتخابات وظيفة مختلفة. تتمثل هذه الوظيفة في تأكيد أن البلدين تحت الوصاية. الوصاية الإيرانية بالنسبة إلى العراق، والوصاية الإيرانية - السورية بالنسبة إلى لبنان. لجأ اللبنانيون والعراقيون إلى الانتخابات للتعبير عن مقاومتهم للوصاية الخارجية ورفضهم ثقافة الموت والميليشيات المذهبية التابعة للخارج، لإيران تحديداً. كانت نتائج الانتخابات في لبنان يوم التاسع من يونيو 2009 فعل مقاومة ودفاعاً عن ثقافة الحياة والعيش المشترك. ولكن تبين أن الأكثرية الحقيقية التي كرست وجودها نتائج الانتخابات ليست قادرة على تشكيل حكومة تعكس بالفعل طموحات اللبنانيين. كل ما هو مطلوب أن تكون «حكومة الوحدة الوطنية» خطوة على طريق تغطية عودة الوصاية السورية إلى لبنان ولكن بفضل ميليشيا مذهبية مسلحة تابعة لحزب مذهبي لا يخفي أن مرجعيته في مكان ما في طهران وليست في أي مكان آخر. استخدم اللبنانيون الانتخابات لإبلاغ كل من يهمه الأمر أنهم يرفضون عودة الوصاية. واستخدمت الوصاية الانتخابات لتقول انها لم تتعلم شيئاً من دروس الماضي القريب وأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والأحداث التي تلت تلك الفاجعة ليست سوى حدث عابر، وأنه لم يتغيّر شيء في لبنان. ولكن من كان يصدّق أن القوات السورية ستنسحب يوماً من الأراضي اللبنانية، من كان يصدق أن عودة النفوذ السوري إلى لبنان، جزئياً، ستكون بفضل الجسر الإيراني الذي اسمه «حزب الله» وسلاحه؟
ما ينطبق على لبنان ينطبق على العراق مع فارق أنه كان ممكناً تشكيل حكومة لبنانية بعد مخاض طويل تلي الانتخابات. في العراق، لا حكومة في الأفق على الرغم من مرور نحو سبعة أسابيع على الانتخابات. كان مطلوباً أن يفهم اللبنانيون أنه لن تكون هناك حكومة برئاسة زعيم الأكثرية النائب سعد الحريري من دون موافقة سورية وإيرانية. جاءت الحكومة نتيجة تقارب سوري - سعودي وبعد تدخل قطري مباشر لدى طهران التي زارها أمير الدولة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. بكلام أوضح، أراد النظامان السوري والإيراني القول انهما غير مهتمين بنتائج الانتخابات اللبنانية، وأن القرار الحاسم عائد إلى السلاح الموجه إلى صدور اللبنانيين. السلاح يقرر شكل الحكومة اللبنانية وليس الانتخابات... الحكومة اللبنانية تُشكل خارج لبنان وإلاّ يبقى الوطن الصغير من دون حكومة بغض النظر عن وجود أكثرية أفرزتها الانتخابات أو عدم وجود مثل هذه الأكثرية الحقيقية.
يبدو واضحاً أن إيران لا تريد شريكاً ولا تقبل بشريك في العراق. تريد حتى تغيير نتائج الانتخابات عن طريق إعادة فرز صناديق في بغداد كي لا يكون أثر للمقاومة التي أظهرها المجتمع العراقي في مناسبة الانتخابات. وجه العراقيون رسالة إلى الأحزاب المذهبية المتطرفة أكانت شيعية أو سنية فحواها أنهم يبحثون عن وطن أولاً ولذلك صوتوا، حيث استطاعوا ممارسة حقهم الانتخابي بحرية، للائحة الدكتور اياد علاوي التي اسمها «العراقية». المسألة مسألة وقت فقط. عاجلاً أم آجلا، بعد شهر أو شهرين أو عشرة اشهر أو ربما اكثر، ستكون هناك حكومة عراقية صنعت في طهران برئاسة شخصية ضعيفة... إلاّ اذا حصل شيء ما داخل إيران نفسها يغيّر في المعطيات الإقليمية.
من قال ان لا وظيفة محددة للانتخابات في العراق، ما دامت الانتخابات تشكل امتداداً لواقع تمثل بأن ايران كانت الطرف الوحيد الذي خرج منتصراً من الحرب الأميركية على العراق؟
لا يعود مستغرباً أن تستخدم إيران الانتخابات في العراق ولبنان لتكريس نفوذها في البلدين العربيين متى علمنا أن الانتخابات في «الجمهورية الإسلامية» نفسها ليست سوى وسيلة لبلوغ أهداف سياسية معينة. انها وسيلة لتأكيد أن انقلاباً حصل داخل إيران نفسها. بدأ الانقلاب بانتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً في العام 2005. كان التجديد له في انتخابات الثاني عشر من يونيو الماضي بمثابة استكمال للعملية الانقلابية التي قادتها مجموعة من «الحرس الثوري»... انه انقلاب بكل معنى الكلمة يقوم على فكرة أن للانتخابات وظيفة أكان ذلك في السودان أو لبنان أو العراق... أو ايران. يا لها من وظيفة تفرغ أي مفهوم للانتخابات من مضمونه!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن