اقتصاد ولاية ترامب الثانية... صدمات وصمود ومُؤشّرات مُقلقة

27 يوليو 2026 10:00 م

- بيانات حكومية: انخفاض في قوة العمل والتوظيف منذ عودة ترامب للرئاسة
- تقارير رواتب: التوظيف ⁠في قطاع التصنيع أقل مما كان عليه في نهاية ولاية بايدن
- التضخم ما زال أعلى ​من المُستهدف ومسؤولون يتوقّعون ارتفاعاً جديداً

شهدت الأشهر الثمانية عشر الأولى من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية في البيت الأبيض، سلسلة من ⁠الصدمات الاقتصادية المدفوعة بالسياسات، أبرزها حملة مكافحة الهجرة وزيادة الرسوم الجمركية التي وعد بها خلال حملته الانتخابية في 2024 وحرب غير متوقعة مع إيران ​أدت لارتفاع أسعار النفط وتهديد سلاسل التوريد العالمية.

وصمد الاقتصاد الأميركي بشكل عام أمام التغييرات السياسية وحرب الشرق الأوسط بأفضل مما توقّعه العديد من خبراء الاقتصاد، لكن تعهد ترامب خفض الأسعار وتعزيز فرص العمل في المصانع وتحسين حياة الطبقة المتوسطة لم يتحقّق بعد في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي التي تجرى بعد ما يزيد ‌قليلاً على ثلاثة أشهر.

صحيح أن الاقتصاد الأميركي أظهر متانة حتى الآن، لكنه أصيب بالجمود أيضاً في العديد من المجالات التي توقّع ترامب لها الازدهار بعد عمليات الترحيل الجماعي لغير المسجلين وزيادة ضرائب الواردات، مع تفاقم بعض المخاطر الأساسية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

الوظائف

يُشكّل مسح أوضاع الأسر المعيشية الذي يجريه مكتب إحصاءات العمل المقياس الأوسع نطاقاً لحالة التوظيف. لكن التغيرات في إحصاءات السكان مطلع 2026 تعني أن البيانات التي ينشرها المكتب لا يمكن مقارنتها بدقة على أساس سنوي، إذ تظهر انخفاضاً حاداً في التوظيف وعدد من يبحثون عن عمل في يناير، ويعود ذلك في معظمه إلى ضوابط جديدة.

لكن المكتب يستخدم تقديرات السكان الجديدة في سلسلة تجريبية ترجع خمس سنوات للوراء لإنشاء منظومة بيانات متسقة تبدأ من أبريل 2020.

وتظهر هذه البيانات أيضاً انخفاضاً في قوة العمل وعدد العاملين منذ عودة ترامب ⁠إلى منصبه، وهو تطور منطقي بالنظر إلى الجهود المبذولة للحد من الهجرة وزيادة عمليات الترحيل. وعندما يضاف ذلك إلى شيخوخة تركيب السكان في الولايات المتحدة، تقل أعداد الأشخاص المتاحين لشغل الوظائف.

من يوظّف؟

قال ترامب إن سياساته ستؤدي إلى انتعاش قطاع التصنيع، وسيتبع ذلك إتاحة فرص عمل. وشهدت البلاد طفرة استثمارية في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، لكن تأثيرها على الإنتاج وفرص العمل ⁠لم يظهر بعد.

وساهم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في زيادة فرص العمل في قطاع التشييد. لكن تقارير الرواتب تظهر انخفاضاً في وظائف التصنيع مقارنة بنهاية حكم الرئيس السابق جو بايدن، الذي انتهت ⁠ولايته في يناير 2025.

وتتضح بعض أولويات ترامب في بيانات الوظائف، مثل ‌انخفاض عدد العاملين في الحكومة.

لكن من الصعب تغيير متطلبات الاقتصاد في دولة يبلغ عدد سكانها نحو 342 مليون نسمة، ومجتمع يحب المطاعم والحانات وتتجه تركيبة سكانه نحو زيادة في شريحه كبار السن، ويحتاج إلى المزيد من خدمات الرعاية الصحية.

ويظهر أثر هذه الآليات بالطبع في التغييرات في التوظيف.

الأسعار

شكل التضخم موضوعاً رئيسياً في حملة ترامب لانتخابات 2024، في وقت كان الغضب فيه من صدمة الأسعار الناجمة عن جائحة كوفيد - 19 حاضراً بقوة حتى مع انخفاض ضغوط الأسعار عندما رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) أسعار الفائدة.

لكن وعد ترامب بخفض الأسعار لم يكن واقعياً قط. وعبر التاريخ وفي العادة، لا تنخفض الأسعار في الولايات المتحدة عموماً إلا في أوقات الأزمات الاقتصادية.

خفض التضخم أمر ممكن، لكن التحسن في عهد ترامب لم يكن كبيراً. وتظهر المؤشرات التي تحظى بأكبر متابعة تباطؤ التقدم في هذا الصدد، إذ لا يزال التضخم أعلى من مستهدف ‌البنك المركزي وهو اثنان في المئة ويشعر صناع السياسات بالقلق إزاء مخاطر ارتفاعه قريباً.

ساهمت الرسوم الجمركية على الواردات في ارتفاع الأسعار إلى حد ما، وزادت الضغوط أيضاً بعد ارتفاع سعر النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، أي بصعود قدره 50 بالمئة تقريباً عن سعره قبل الحرب. والآن تؤدي المتطلبات المرتفعة لتطوير الذكاء الاصطناعي إلى النتيجة ذاتها، وهي زيادة الضغوط.

يتوقع خبراء الاقتصاد تحولات نسبية في الأسعار، أي أن أسعار سلع في فترة زمنية معينة سترتفع مقارنة بغيرها.

ولكن عندما تكون الزيادات كبيرة وواسعة النطاق بما يكفي، وتنتقل دورة ارتفاع الأسعار باستمرار بين سلع مختلفة، فإن النتيجة هي تضخم أكثر شمولاً.

ويرى ​بعض مسؤولي مجلس الاحتياطي الاتحادي أن هذا السيناريو يمثل خطراً وشيكاً.

الدخل

بغضّ النظر عن الجدل الدائر حول عدم الاتساق في توزيع الدخول، في نمط يزداد فيه الأغنياء وأصحاب الدخل الأعلى ثراء بينما تعاني الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وما إذا كان ذلك عادلاً أو مستداماً، ⁠فقد صمد الإنفاق الاستهلاكي طوال الصدمات المختلفة التي شهدها عهد ترامب.

لكن من غير الواضح إلى متى يمكن أن يستمر هذا الاتجاه بالنظر إلى أن أوسع مقياس لقوة إنفاق الأسر، وهو الدخل الشخصي المتاح المعدل حسب التضخم، أصيب بالجمود بل وانخفض أيضاً في الآونة الأخيرة.

والدخل الشخصي المتاح هو ما يتبقى فعلياً، بعد الضرائب ويغطي الأجور بالإضافة إلى بنود مثل المدفوعات من برنامج معاشات الضمان الاجتماعي، لدى الفرد لدفع تكاليف السكن والطعام والسلع والخدمات الأخرى.

القدرة على تحمل التكاليف

لم يُحقّق ترامب وعده بتيسير الأحوال المعيشية والقدرة على تحمل التكاليف والأسعار والنفقات، واعتبر أن هذا الهدف ليس مهماً ووصف تشريعاً سنه الكونغرس في الآونة الأخيرة بهدف تحسين القدرة ​على تحمل تكاليف السكن بأنه «ممل للغاية» ورفض التوقيع عليه.

يُشكّل ملف الإسكان قضية شائكة، إذ طالما اعتبر الرؤساء أن امتلاك منزل هو معيار أساسي لثروة الفرد والنجاح للأميركيين، لكن مشرعين قللوا من معايير الائتمان عندما تضخّمت السوق وتسبّبت ⁠في أزمة مالية عالمية.

بعد بقاء أسعار الفائدة ‌منخفضة للغاية على مدى سنوات، أضافت الجائحة مزيداً من الجاذبية لسوق الإسكان مما أدى إلى ارتفاع ​أسعار المنازل. ثم أدت زيادات أسعار الفائدة التي طبقها مجلس الاحتياطي الاتحادي بهدف كبح التضخم إلى تدهور القدرة على تحمل التكاليف من خلال دفع أسعار الرهن العقاري إلى مستويات ارتفاع جديدة غير مسبوقة.

ولا تزال معدلات الرهن العقاري مرتفعة، وكذلك أقساط التأمين على المنازل المرتبطة بارتفاع قيم المنازل والتكاليف الأخرى ذات الصلة.

ولا تستطيع الحكومة الاتحادية القيام بالكثير في ما يتعلق بتوفير المساكن. وقد يساعد تمديد الإعفاءات الضريبية أو سياسات مماثلة، لكن ‌القطاع يبقى تحت سيطرة إدارات الولايات وقوانينها المختلفة المتعلقة باستخدام الأراضي وتقسيم المناطق.

والخلاصة هي أن متطلبات تملك المنازل لا تزال تستحوذ على حصة كبيرة من دخل الأسر.

سوق الأسهم

صبّ ترامب تركيزه منذ فترة طويلة على أداء سوق الأسهم الأميركية، وروج لمستويات الارتفاع غير المسبوقة للمؤشرات الرئيسية في الآونة الأخيرة على ⁠أنها دليل على نجاحات سياسته.

لكن الحقيقة هي أن الأسهم تميل إلى الارتفاع بمرور الوقت بغض النظر عن من ⁠هو الرئيس، وشهد معظم ⁠الزعماء الأميركيين المعاصرين أسعار أسهم غير ​مسبوقة خلال فترات ولاياتهم.

يصنف أداء السوق منذ يناير 2025 في منتصف الترتيب عند مقارنته بالأداء خلال ولايات الرؤساء منذ عهد رونالد ريغان. وحقق المؤشر ستاندرد اند بورز500 مكاسب بنسبة 25 في المئة تقريباً خلال ولاية ترامب الثانية مقابل متوسط مكاسب بلغ نحو 24 في المئة خلال أول 18 شهراً من ولايات رئاسية تعود لعام 1981. ولا يزال هذا الأداء جيداً بالمقارنة مع معدل النمو السنوي المركب الإجمالي البالغ 9.5 في المئة للأسهم في تلك الفترة.

ازدهار الذكاء الاصطناعي

كان قطاع الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لمكاسب السوق منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

لكن تأثير دفعة الذكاء الاصطناعي، وهي حالياً المحرك الأكبر لازدهار استثمارات الأعمال التي تدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي، لا يقتصر على سوق الأسهم فقط.

ووصلت قيمة إصدار سندات الشركات حتى نهاية يونيو حزيران 1.52 تريليون دولار، وخصص جزء كبير منها لتمويل تطوير الذكاء الاصطناعي، بما شكل وتيرة غير مسبوقة تجاوزت طفرة أعقبت الجائحة في 2020.

وتشير قوة الإصدارات، المقترنة بهوامش ربح ضيقة وقوة الطلب، إلى اقتصاد يتسم بالمتانة الواضحة وميزانيات مالية عمومية قوية للشركات.