الجيش الإسرائيلي يُحذّر من تصاعد التوتر في الضفة... وخطر اندلاع انتفاضة جديدة

25 يوليو 2026 06:44 م

حذر الجيش الإسرائيلي من تدهور الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المنطقة تشهد حالة من التوتر المتصاعد قد تقود إلى انتفاضة جديدة، وفق ما نقلته القناة 13 العبرية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» فإن المواجهات الأخيرة بين المستوطنين والفلسطينيين رفعت من احتمالات الدخول في دوامة متواصلة من الهجمات الانتقامية المتبادلة، الأمر الذي دفع الجيش الإسرائيلي إلى تعزيز قواته بشكل كبير في الضفة.

واشار التقرير الى أن الوضع الأمني يعد من بين الأكثر خطورة في الفترة الحالية في ظل تصاعد أعمال العنف وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات.

وتورد «هآرتس»، أنه في الوقت الذي تعيش فيه المؤسسة الأمنية حالة تأهب مرتفعة تحسباً لاحتمال توجيه الولايات المتحدة (وربما إسرائيل أيضا) ضربة لإيران، اشتعلت ساحة أخرى كانت تغلي منذ فترة طويلة، وهي الضفة. فقد قُتل صباح الجمعة، إسرائيليان وأربعة فلسطينيين في حادثة وقعت جنوب غرب نابلس، وهناك الآن خطر واضح من اتساع رقعة التصعيد على الأرض وتشكّل دائرة مستمرة من العمليات الانتقامية المتبادلة.

سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، إلى إصدار أوامر للجيش ببدء عملية هجومية واسعة. كما تعهدا محاسبة المسؤولين الفلسطينيين عن مقتل الإسرائيليين، وهما ضابط في سلاح المدفعية وعضو في فرقة التأهب المحلية.

لكن من المهم التذكير بالسياق العام الذي جرت فيه الأحداث.

فقد وقع حادث إطلاق النار في قرية تل، التي دخلتها مجموعة من المستوطنين في جولة لم تحصل على موافقة مسبقة من الجيش. وجاء ذلك في منطقة تشهد أصلاً تصاعداً في التوتر، على خلفية الحريق الذي اندلع في بؤرة حفات غلعاد الاستيطانية نهاية الأسبوع الماضي (والذي أكد الجيش أنه لم يكن حريقاً متعمداً)، إضافة إلى سلسلة من الاعتداءات التي نفذها يهود ضد فلسطينيين.

إن دخول قرية فلسطينية لا يبرر إطلاق النار على مدنيين إسرائيليين، لكن منظمي الرحلة ليسوا أبرياء. فالأمر يبدو وكأنه استفزاز متعمد، ضمن خطوات أوسع هدفها دفع الفلسطينيين إلى رد فعل، يبدو أنه خرج عن السيطرة. ويوجد في الجانب الإسرائيلي كثيرون يسعون إلى تصعيد خطير في الضفة، انطلاقاً من تقاطع مصلحتين: الأولى، الأمل بأن يؤدي الاحتكاك العنيف المتزايد في النهاية إلى مواجهة شاملة تتيح تفكيك سلطة السلطة الفلسطينية والسيطرة بالقوة على مساحات واسعة من الضفة.

والثانية، خلق حالة طوارئ أمنية قبيل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، في محاولة لإبعاد مسؤولية الحكومة عن الإخفاقات التي قادت إلى هجوم السابع من أكتوبر 2023 عن جدول الأعمال السياسي.

بعد الحريق في حفات غلعاد، الذي أدى إلى فقدان عائلات لمنازلها، وقعت اعتداءات عدة نفذها مستوطنون في قرى بمنطقة نابلس. والجمعة، أُصيب مستوطن وجندي في حادثتي طعن منفصلتين في الضفة، فيما قُتل ثلاثة فلسطينيين اشتُبه بتنفيذهم عمليات الطعن برصاص القوات الإسرائيلية.

جولة الجمعة لم تكن مخططاً لها، لكنها جرت في منطقة مشتعلة أصلاً. ولو قُدم طلب رسمي لقادة المنطقة للموافقة عليها، لكان ينبغي عليهم رفضه، وإن كان من الصعب الجزم بذلك في ظل الطريقة التي بات المستوطنون يديرون بها نشاط الجيش في الضفة.

دخل عشرات المستوطنين، بينهم أطفال، إلى الأطراف الجنوبية لقرية تل، قرب المسجد، فخرج عشرات الفلسطينيين لمواجهتهم. واندلعت في المكان مواجهات عنيفة، فاستدعى المستوطنون تعزيزات من بؤرة حفات غلعاد القريبة. وخُطف سلاح منسق الأمن في البؤرة، الرقيب أول احتياط بنياهو ميلِت، على يد فلسطيني أطلق النار عليه فأرداه قتيلا. وفي تبادل إطلاق النار قُتل أيضا الرائد يوآف عِزرا من هرتسليا، قائد بطارية مدفعية، الذي وصل إلى المكان مع قوة تعزيز صغيرة. كما أُصيب إسرائيلي آخر، وقُتل أربعة فلسطينيين وأصيب سكان آخرون من القرية.

إلى جانب بيانات النعي، أعلن نتنياهو وكاتس، أنهما وجها الجيش لتنفيذ «عملية قوية في القرى التي تشكل بؤراً للإرهاب»، واتخاذ إجراءات لـ«فصل حركة السير وإقامة الحواجز»، وبالطبع تسريع تسوية أوضاع المزارع الاستيطانية وإقامة مزارع جديدة.

وما لا يدركه كثيرون في المجتمع الإسرائيلي هو أن هذه المزارع تشكل جزءاً كبيراً من القصة. فالحكومة الحالية، وبشكل أكبر منذ السابع من أكتوبر وتحت غطاء الحرب الإقليمية التي أعقبت ذلك، تعمل بصورة منهجية على تغيير الواقع في الضفة.

وحتى الآن أُقيمت 80 بؤرة استيطانية و126 مزرعة استيطانية، واتُخذت قرارات بإنشاء 104 مستوطنات أكبر، وقد أُقيم بعضها بالفعل على الأرض.

وللقرارات السياسية وجهود الاستيطان عنصر آخر يحظى أحيانا بإدانة خجولة، لكنه غالباً ما يُقابل بغض الطرف، وهو اعتداءات من يُعرفون على سبيل التخفيف باسم «شبيبة التلال» ضد جيرانهم الفلسطينيين. واعترف نتنياهو، أخيراً بأن عددهم يقارب 150 شخصاً، بعدما كان يتحدث سابقاً عن نحو 70 «شاباً ضائعاً». لكن العدد الحقيقي أكبر، والأهم أنهم يحظون بدعم لا يستهان به داخل المستوطنات. وهدفهم هو خلق واقع لا يُطاق يدفع التجمعات الفلسطينية المعزولة إلى مغادرة بلداتها في المنطقتين (B) و(C)، لإخلاء الأراضي أمام المزيد من البناء الاستيطاني اليهودي. إنها عملية منهجية تحقق نتائج تراكمية.

حتى قبل أشهر عدة، ورغم تصاعد الاعتداءات التي ينفذها يهود، سُجل تراجع معين في العمليات الفلسطينية. وادعى البعض أن طرق الضفة أصبحت أكثر أمناً للإسرائيليين، ببساطة لأن المستوطنين، بدعم واضح من الجيش، فرضوا الخوف على الفلسطينيين. لكن منذ أشهر بات واضحاً أن المنطقة تتجه نحو كارثة تقترب. ومن الأفضل عدم التنبؤ، لكن يجدر التذكير بكيفية اندلاع الانتفاضتين الفلسطينيتين عامي 1987 و2000. وهذه المرة أيضا يوجد دافع سياسي نحو الانفجار. ويكفي النظر إلى المبادرة التي قام بها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في الحرم القدسي خلال ذكرى «تيشع بآف»، والتي اعتُبرت استفزازاً، وإلى دعوات منافسه في اليمين المتطرف، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، للجيش لاتخاذ إجراءات عقابية وانتقامية ضد القرى في منطقة نابلس.

إن تصاعد المواجهة يفرض على الجيش الإسرائيلي تعزيزاً كبيراً لقواته. وقد تقرر هذا الأسبوع بالفعل استدعاء كتيبتين نظاميتين إضافيتين. وينتشر في الضفة حالياً 24 كتيبة، بينها عشر كتائب احتياط، وقد يرتفع العدد أكثر. ويحدث ذلك في وقت يعاني فيه الجيش من نقص في القوات، ويقع عبء هائل على قوات الاحتياط، مع استمرار تراجع نسب الالتحاق بالخدمة في العديد من الكتائب.

وإذا لم يكن ذلك كافياً، فإن ناشطين من اليمين يبادرون إلى تنظيم «جولات» غير مرخصة في المناطق التي سيطر عليها الجيش في جنوب لبنان وسوريا وقطاع غزة، بذريعة أنهم يعتزمون إقامة مستوطنات جديدة هناك، فيما ينشغل الجيش بملاحقتهم.

وفي إطار العملية الجديدة في الضفة سيدخل الجنود إلى القرى والمدن الفلسطينية، وسيتسببون بدمار واسع فيها، وستتمكن الحكومة من الإعلان عن «انتصارات باهرة»جديدة في الحرب ضد الإرهاب. وفي الوقت نفسه سيُستغل التصعيد لإقامة المزيد من البؤر والمزارع الاستيطانية.

لكن هذه الأنشطة لا تجري في فراغ. ففي ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين، أُنشئت في نحو 70 قرية فلسطينية في الضفة لجان حماية مدنية. وحتى الآن لا تستخدم هذه اللجان الأسلحة النارية، لكن كلما ازداد التوتر ارتفع خطر مشاركة عناصر التنظيم (الجناح الميداني لحركة فتح) بأنفسهم في المواجهات.