قراءة في أداء الإعلام الكويتي خلال الأزمة الخليجية الأخيرة

22 يوليو 2026 10:00 م

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل أصبحت تُخاض بالتوازي في الفضاء الإعلامي، ومنصات التواصل، وغرف الأخبار العالمية ومراكز الدراسات والبرلمانات وحتى داخل عقول الرأي العام الدولي. ولذلك بات الخبر والصورة والبيان والمعلومة الموثقة والسردية المتماسكة جزءاً من منظومة الأمن الوطني لا يقل أهمية عن الدفاع العسكري أو الأمن السيبراني.

وقد كشفت الأزمة الخليجية الأخيرة، التي شهدت مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أن دول الخليج لم تتأثر فقط عسكرياً أو اقتصادياً أو مدنياً، بل تعرّضت أيضاً لاختبار شديد في قدرتها على حماية روايتها الوطنية أمام سيل من الروايات المتنافسة.

وكانت الكويت، بحكم موقعها الجغرافي ودورها السياسي والإنساني، واحدة من الدول التي وجدت نفسها داخل دائرة التأثير المباشر للأزمة، إلا أن أداءها الإعلامي كشف عن حالة تستحق المراجعة.

الرواية الوطنية ليست حملة انتخابية

أحد أبرز الدروس التي كشفتها الأزمة هو الخلط بين الإعلام السياسي الاحترافي وبين الخطاب الجماهيري أو الانفعالي.

فالرواية الوطنية ليست خطاباً حماسياً، وليست مناظرة عاطفية، وليست دفاعاً مرتجلاً أمام كاميرات الفضائيات.

إنها عملية علمية متكاملة تقوم على:

- الوقائع الموثقة.

- البيانات الدقيقة.

- الحجج القانونية.

- المعرفة التاريخية.

- فهم الجمهور المستهدف.

- إدارة الصورة الذهنية للدولة.

ولهذا السبب تخصص الدول الكبرى وحدات كاملة لما يسمى Strategic Communications أو «الاتصالات الإستراتيجية»، والتي تعمل جنباً إلى جنب مع وزارات الدفاع والخارجية وأجهزة الأمن الوطني.

المشكلة ليست في كثرة المتحدثين...

بل في غياب المدرسة.

خلال الأزمة برز عدد من المتحدثين الكويتيين في الفضائيات العربية، لكن المتابع يلاحظ أن كثيراً من المشاركات اتسمت بسمات متكررة عدة:

- الاعتماد على الانفعال أكثر من المعلومة.

- ضعف استخدام الأرقام والوثائق.

- غياب المرجعيات القانونية والدولية.

- الانتقال إلى سجالات شخصية.

- ضعف الإعداد المسبق.

- اختلاف الرسائل بين المتحدثين.

- غياب الرسالة المركزية الموحدة.

والنتيجة أن الرواية الكويتية لم تظهر دائماً بالقدر نفسه من القوة التي تتمتع بها مواقف الدولة وسياساتها على أرض الواقع.

وهنا ينبغي التأكيد أن المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في غياب منظومة وطنية لإعداد المتحدثين وإدارة الرسائل الإعلامية أثناء الأزمات.

ماذا فعلت الدول الناجحة؟

أثبتت تجارب عدد من الدول أن بناء الرواية الوطنية يحتاج إلى مؤسسات لا إلى اجتهادات فردية.

أولاً: أوكرانيا

منذ عام 2022 اعتمدت كييف على مركزية الرسالة الإعلامية، وتوحيد الخطاب الرسمي، والاستفادة من البيانات اليومية، والخرائط، والصور، واللغات المختلفة، مع حضور دائم للخبراء المدنيين والعسكريين في وسائل الإعلام الدولية.

ثانياً: إسرائيل

بغض النظر عن الاختلاف مع سياساتها، فإنها تمثل نموذجاً متقدماً في إدارة السردية الإعلامية؛ إذ تمتلك شبكة واسعة من المتحدثين المدربين، ومراكز معلومات، ووحدات للرصد الرقمي، ومحتوى متعدد اللغات، إضافة إلى حضور مستمر في الجامعات ومراكز التفكير والإعلام الدولي.

ثالثاً: بريطانيا أثناء حرب فوكلاند

أنشأت الحكومة غرفة عمليات إعلامية موحدة، كانت تقدم المعلومات بصورة منتظمة، وتنسق الرسائل بين الجيش والحكومة ووزارة الخارجية، بما حدّ من التضارب وأكسب الرواية الرسمية قدراً أكبر من المصداقية.

رابعاً: فنلندا

طورت مفهوم «المجتمع المقاوم للمعلومات المضللة»، حيث يجري تدريب المسؤولين والإعلاميين وحتى الطلاب على كيفية التعامل مع حملات التأثير الخارجية، فأصبحت مقاومة التضليل جزءاً من الأمن الوطني.

أين الإعلام الرسمي؟

لا يزال الإعلام الرسمي في الكويت يمتلك إمكانات كبيرة، لكنه يحتاج إلى الانتقال من الإعلام الإخباري التقليدي إلى الإعلام الإستراتيجي.

ففي زمن الأزمات لم يعد البيان الصحافي وحده كافياً.

بل تحتاج الدولة إلى:

- محتوى بصري سريع.

- خرائط تفاعلية.

- بيانات محدثة.

- فيديوهات قصيرة.

- متحدثين محترفين.

- محتوى بلغات عدة.

- حملات رقمية موجهة للرأي العام الخارجي.

فالرواية التي تصل أولاً غالباً ما تصبح هي الرواية التي يصدقها الناس.

والإعلام الشعبي؟

شهدت منصات التواصل الكويتية نشاطاً واسعاً، لكنه بقي في كثير من الأحيان رد فعل أكثر منه مبادرة.

فالفضاء الرقمي لا يدار بالعاطفة، بل بخوارزميات وانتشار وتأثير، وهو ما يتطلب وجود فرق محترفة للرصد والتحليل وصناعة المحتوى والاستجابة السريعة، مع المحافظة على المصداقية والالتزام بالقانون.

نحو مركز وطني للرواية الإستراتيجية

ربما حان الوقت للتفكير في مشروع وطني جديد يمكن أن يحمل اسم:

«المركز الكويتي للاتصالات الإستراتيجية والرواية الوطنية».

ويتولى هذا المركز مهام مثل:

- إعداد الرواية الوطنية أثناء الأزمات.

- تدريب المتحدثين الرسميين وغير الرسميين.

- إعداد بنك معلومات وطني.

- إنشاء وحدة للرصد الإعلامي العالمي.

- إنتاج محتوى احترافي متعدد اللغات.

- التعاون مع الجامعات ومراكز الدراسات.

- إعداد مؤشرات لقياس تأثير الرسائل الإعلامية.

- بناء شبكة من الخبراء الكويتيين القادرين على تمثيل الدولة في الإعلام الدولي.

كما يمكن إنشاء برنامج وطني لاعتماد المتحدثين الإعلاميين، بحيث يخضع المشاركون لتدريب في القانون الدولي، وإدارة الأزمات، والإقناع، وتحليل البيانات، والمناظرات، والاتصال الإستراتيجي، قبل تمثيل الرواية الكويتية في المنصات الدولية.

الإعلام... جبهة من جبهات الأمن الوطني

لقد أثبتت الأزمات الحديثة أن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على الجندي الذي يحرس الحدود، ولا على الدبلوماسي الذي يتفاوض، ولا على رجل الأمن الذي يحفظ الاستقرار فقط، بل يمتد إلى من يمتلك القدرة على تقديم رواية وطنية موثقة، متماسكة، ومقنعة.

إنّ الكويت تمتلك رصيداً سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً كبيراً في المنطقة، لكن هذا الرصيد يحتاج إلى منظومة إعلامية قادرة على تحويله إلى خطاب عالمي مؤثر.

ففي زمن الحروب الهجينة، قد تكون الكلمة المدعومة بالحقيقة والبيانات أكثر تأثيراً من كثير من أدوات الصراع الأخرى. وإذا كانت الجيوش تحمي الحدود، فإن الإعلام الإستراتيجي يحمي الصورة والشرعية والثقة، وهي أصول لا تقل قيمة في معادلات الأمن الوطني المعاصر.