السيادة الاستثنائية... من كارل شميت إلى الحرب الأميركية - الإيرانية

18 يوليو 2026 10:00 م

يصف بعض الفلاسفة والمفكرين الفقيه القانوني والمنظر السياسي الألماني كارل شميت، بأنه «عقل خطير». ولم يأت هذا الوصف من فراغ، وإنما ارتبط بأطروحته الشهيرة حول السيادة الاستثنائية، التي صاغها في عبارته المعروفة:

«السيادي هو من يقرر في حالة الاستثناء»

‏(Sovereign is he who decides on the exception) وقد وردت هذه العبارة في كتابه «اللاهوت السياسي»، الصادر عام 1922، الذي أصبح لاحقاً أحد أكثر الكتب إثارة للجدل في الفلسفة السياسية والقانون الدستوري في عصره إلى يومنا الحالي.

ويرتبط وصف شميت، بـ «العقل الخطير» بسياقين متداخلين. أما الأول، فيتعلق بموقفه السياسي حيث انضم إلى الحزب النازي بعد وصول أدولف هتلر، إلى السلطة عام 1933، وشغل مناصب قانونية وأكاديمية عدة، وأصبح أحد أبرز المنظرين القانونيين ومستشاراً للنظام الهتلري في سنواته الأولى. ومن الجدير ذكره أن أفكاره الأساسية لم تكن وليدة تلك المرحلة، بل سبق أن بلورها في مؤلفاته ومحاضراته عندما كان أستاذاً للقانون الدستوري قبل تولي هتلر، السلطة.

أما السياق الثاني، فيرتبط بطبيعة أفكاره ذاتها، فقد كان يرى أن السياسة لا تنفصل عن احتمال الصراع، وأن الحرب تمثل الإمكانية القصوى الكامنة في العلاقات السياسية، فهي التي تمنح السياسة معناها الواقعي عندما يبلغ الصراع حد التهديد الوجودي. ومن هنا، فإن جوهر السياسة يقوم على التمييز بين الصديق والعدو. والعدو، في نظره، ليس بالضرورة شريراً أو غير أخلاقي، وإنما هو كل من يمثل تهديداً وجودياً للدولة.

وانطلاقاً من هذا التصور، اعتبر شميت، أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية وجودها واستمرارها، حتى لو استدعى ذلك اتخاذ قرارات استثنائية تتجاوز القيود القانونية التقليدية. فالقانون، في نظره، ليس غاية في ذاته، بل أداة لحماية الدولة، فإذا أصبح تطبيقه يهدد وجودها، فإن القرار السيادي الاستثنائي يتقدم على القاعدة القانونية.

وبناءً على ذلك، لا تقتصر السيادة، وفق هذا الفهم، على السيطرة على الإقليم والسكان والموارد المادية، بل تمتد إلى كل ما تراه الدولة ضرورياً لدرء خطر وجودي يهددها. وعندئذ تصبح حماية البقاء مبرراً لاتخاذ إجراءات استثنائية قد تمتد آثارها إلى خارج الحدود، وقد تمس سيادة دول أخرى بصرف النظر عن بعض القيود التي يفرضها القانون الدولي.

ولم تكن فكرة تحويل الضرورة السياسية إلى مبرر للفعل القسري جديدة في الفكر الألماني، فقد سبقته افكار الجنرال والمفكر البروسي فريدريك فون برنهاردي (Friedrich von Bernhardi)، في كتابه «ألمانيا والحرب القادمة» (Germany and the Next War) الصادر عام 1911، حيث طرح تصوراً يرى أن الدولة الكبرى لا تمتلك فقط حق الفعل (The Right to Act)، بل قد يتحول هذا الحق إلى واجب للفعل (The Duty to Act)، بل وإلى واجب للذهاب إلى الحرب إذا اقتضت ذلك مصالحها ومكانتها التاريخية. وإذا كان برنهاردي، قد ركز على ضرورة الفعل العسكري باعتباره استجابة لمتطلبات القوة والبقاء، فإن شميت، انتقل بالسؤال إلى مستوى آخر يتعلق بمن يملك شرعية اتخاذ القرار عندما تواجه الدولة خطراً وجودياً، أي من يملك سلطة إعلان حالة الاستثناء. ومن هنا جاء مفهومه الشهير المتمثل في مقولته «السيد هو من يقرر في حالة الاستثناء».

وبغض النظر عن الانتقادات الواسعة التي وجهت سهامها إلى أطروحات شميت، بوصفها تمنح الدولة مبرراً لتوسيع سيادتها على حساب غيرها بخلاف ما قرره القانون الدولي، فإن إسقاط هذه النظرية على المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتيح قراءة تفسيرية لسلوك الأطراف المختلفة.

فالولايات المتحدة وإسرائيل تبرران استخدام القوة ضد إيران انطلاقاً من اعتبار برنامجها النووي وقدراتها العسكرية تهديداً وجودياً لأمن إسرائيل ولمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وفي المقابل، ترى إيران أن الوجود العسكري الأميركي وشبكة التحالفات الإقليمية المحيطة بها يمثلان تهديداً مباشراً لأمنها القومي، الأمر الذي يدفعها إلى توظيف موقعها الجغرافي، لاسيما مضيق هرمز، كورقة ضغط إستراتيجية في مواجهة خصومها، حتى وإن أدى ذلك إلى التأثير في مصالح دول أخرى تعتمد على حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي.

وهكذا، لم تعد السيادة الاستثنائية، كما تمارس في مثل هذه الصراعات، مقتصرة على المساس بسيادة الخصوم المباشرين، بل امتدت آثارها لتطول مصالح دول الإقليم والعالم بأسره، سواء من خلال تهديد أمن الطاقة، أو اضطراب سلاسل الإمداد، والتضخم، أو تعريض حرية الملاحة الدولية لمخاطر متزايدة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الممارسة السياسية لهتلر قد جسدت، في كثير من جوانبها، منطق السيادة الاستثنائية، سواء كان ذلك نتيجة تأثر مباشر بأطروحات شميت، أم نتيجة تقاطع فكري معها. فقد اعتبر هتلر، أن ما يراه تهديداً وجودياً لألمانيا يبرر تجاوز سيادة الدول الأخرى، والتوسع على حسابها، وتجاهل القيود التي يفرضها القانون الدولي. ويعزز هذا الانطباع أن شميت، نفسه كتب مقاله الشهير «الفوهرر يحمي القانون»، مبرراً الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها هتلر، بوصفها دفاعاً عن الوجود السياسي للدولة الألمانية.

ولعل المفارقة التاريخية أن منطق السيادة الاستثنائية الذي طرحه شميت، لم يظهر في فراغ فكري، بل جاء ضمن سياق أوسع في الفكر السياسي الألماني، سبقته فيه تصورات مثل تلك التي عبر عنها فريدريك فون برنهاردي، حين انتقل من اعتبار الفعل العسكري حقاً للدولة إلى اعتباره واجباً تفرضه ضرورات القوة والمكانة التاريخية. فإذا كان برنهاردي، قد منح الحرب مبررها باعتبارها فعلاً ضرورياً عندما تقتضيها مصالح الدولة، فإن شميت منح القرار الاستثنائي الإطار السياسي والقانوني عندما تواجه الدولة خطراً وجودياً. وقد جمع النظام الهتلري بين هذين المنطقين فمنح الحرب والتوسع مبرراً باعتبارهما دفاعاً عن وجود ألمانيا، واتخذ من حالة الاستثناء وسيلة لتجاوز القيود القانونية والسياسية. وكانت النتيجة خليطاً مدمراً من فكرتين صنعتا القوة غير المنضبطة والقرار الاستثنائي المطلق الذي انتهى إلى واحدة من أعظم الكوارث التي عرفتها البشرية.

إن التاريخ يروي أن ألمانيا، التي رفعت شعار الدفاع عن وجودها، انتهت إلى حرب عالمية مدمرة أودت بحياة أكثر من خمسين مليون إنسان، فضلاً عن ملايين الجرحى والمشردين، ودمار هائل طال المدن والاقتصادات والإرث الحضاري للبشرية.

واليوم، وبينما تتكرر في الخطاب الدولي مفردات مثل «التهديد الوجودي» «والضربة الوقائية»، يظل السؤال الذي طرحه شميت، حاضراً، ولكن بصيغة جديدة وهو، من يملك حق إعلان حالة الاستثناء؟ ومن يضع حدودها؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن حماية الدولة من الأخطار الوجودية دون أن تتحول السيادة الاستثنائية نفسها إلى خطر وجودي على النظام الدولي، وتسبب أخطاراً وتحديات إنسانية واقتصادية وبيئية على الآخرين الذين لا ناقة لهم ولا جمل، والذين يحترمون القانون الدولي ويعملون بمقتضاه؟