في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، لاتزال أسواق الخليج والشرق الأوسط تشكل مغناطيساً جاذباً لرواد الأعمال والمبتكرين من مختلف أنحاء العالم.
وفي هذا السياق، نشر موقع «اقتصاد الشرق» تقريراً نقلاً عن «بلومبرغ»، يسلط الضوء على مرونة منظومة الشركات الناشئة في مدن رئيسية مثل أبوظبي، ودبي، والرياض، والدوحة. ورغم المخاوف والتحديات الأمنية والاقتصادية التي فرضتها حرب إيران، تواصل الثروات السيادية والحوافز الحكومية السخية توفير مظلة دعم قوية للشركات الواعدة، ما يجعل المنطقة ساحة لاختبار حقيقي لمدى صمود هذه الإستراتيجيات الطموحة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
في شهر فبراير الماضي، اتخذ كينغ لاي، قراراً بالانتقال من هونغ كونغ إلى أبوظبي، لينضم إلى الدفعة الأحدث من برنامج دعم الشركات الناشئة في الإمارة «هب 71». وبعد أيام قليلة من وصوله، بدأت إيران في توجيه غارات جوية استهدفت دول الخليج.
ورغم أن هذه الأحداث دفعت بعض المقيمين القدامى إلى المغادرة موقتاً، وتوالت عليه نصائح الأهل والأصدقاء بضرورة العودة إلى وطنه، لكن لاي، صمم على البقاء. ومنذ ذلك الحين، تمكنت شركته «ببريو» المتخصصة في معلومات الأعمال من التعاقد مع عميلين جديدين في الإمارات، كما تسعى حالياً لجذب صناديق رأس المال الجريء المحلية لتأمين جولة تمويلية جديدة، وفقاً لما صرح به لـ «بلومبرغ نيوز».
وينضم لاي، إلى مجموعة متنامية من مؤسسي الشركات الذين تجتذبهم مدن أبوظبي، ودبي، والرياض، والدوحة، بالتزامن مع تسريع الحكومات لخططها الرامية إلى تشييد منظومات تكنولوجية قادرة على المنافسة على الساحة الدولية. وباتت تريليونات الدولارات من الثروات السيادية والخاصة، مدعومة بحوافز جاذبة، ومسرعات أعمال متطورة، وبيئة ضريبية منخفضة، الركائز الأساسية التي تستند إليها رؤى تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط.
ومع تجدد الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع، وتصاعد حدة القلق حول أمن مضيق هرمز الإستراتيجي، يواجه هذا التوجه الإستراتيجي أصعب اختباراته حتى الآن. وعلى الرغم من صمود معظم المؤسسين واستمرار تدفق إعلانات التمويل، يعتقد المستثمرون أن الأثر الفعلي والعميق للنزاع لن ينعكس بوضوح قبل الأرباع السنوية المقبلة، حينما تبدأ جولات التمويل الجديدة في ترجمة القرارات الاستثمارية التي اتُّخذت بعد اندلاع العمليات القتالية.
وتكثف قطر استثماراتها في شركات رأس المال الجريء من خلال برنامج «صندوق الصناديق»، حيث استقطبت العام الماضي شركة «بي كابيتال» التابعة لإدواردو سافيرين، وقد تمت زيادة ميزانية البرنامج من مليار دولار إلى 3 مليارات قبيل اندلاع الحرب، وجرى بالفعل توظيف نحو ثلث هذا المبلغ.
واستقبلت مبادرة «ستارت أب قطر» ما يزيد على 7700 طلب، وقدمت تمويلات تجاوزت 51 مليون دولار لنحو 45 شركة عالمية، من بينها 11 شركة تم استقطابها منذ اندلاع الصراع الحالي. ويشترط البرنامج للاستفادة من الدعم انتقال مؤسس واحد على الأقل للإقامة في قطر.
ومن الأمثلة على ذلك، انتقال مايكل لينتس، الشريك في شركة «غولدن غيت فينتشرز»، من سنغافورة إلى الدوحة في عام 2024، حيث استقر مع عائلته طوال فترة النزاع.
وصرح لينتس قائلاً: «لقد كثفنا تواصلنا ومباحثاتنا مع شركائنا من المستثمرين، وحافظ الجميع على هدوئهم وعقلانيتهم».
ونجحت الشركة في إبرام صفقتين استثماريتين بالتزامن مع اندلاع الحرب، كما تواصل بنجاح جمع رؤوس الأموال لصالح صندوقها الجديد البالغة قيمته 100 مليون دولار، والذي أُطلق بدعم من مستثمرين قطريين في 2024.
وتبرز دبي كعاصمة تاريخية للأعمال في الشرق الأوسط. فقد نجحت الإمارة على مدار عقود في بناء بيئة أعمال متكاملة ترتكز على تدفقات الثروات الخاصة، والتشريعات المرنة، والجاذبية العالية للمواهب الأجنبية. وساهمت هذه البيئة في ولادة جيل من الشركات المليارية مثل «كريم»، و«تابي» و«دوبيزل»، و«بروبرتي فايندر»، و«إكسبانسيو».
من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لمنصة ماغنيت باهوشي، أن وتيرة إطلاق الصناديق الجديدة لرأس المال الجريء، ومستوى شهية المستثمرين الدوليين، إلى جانب نشاط عمليات التخارج والاندماج والاستحواذ، ستكون المؤشرات الفاصلة التي يجب مراقبتها بدقة في الفترة المقبلة للحكم على متانة السوق.
ولايزال كبار المستثمرين الدوليين، يبدون تفاؤلاً راسخاً بآفاق المنطقة الاستثمارية، على المدى الطويل.