على وقع ما بدا «أمر عمليات» سياسياً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بوجوب بدء الانسحاب من أجزاء من لبنان كمدخل للقائه المحتمل في العاصمة الأميركية مطلع الأسبوع الطالع وبهدف «التفرغ للجبهة الأكبر» مع إيران، وعلى مرمى 5 أيام من زيارة الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، لواشنطن واجتماعه المحدّد الثلاثاء المقبل مع سيّد البيت الأبيض، حقّقت المفاوضاتُ بين بيروت وتل ابيب في جولتها السادسة في روما اختراقاً على صعيد إطلاق العمل بالمناطق النموذجية التي تشكل الاسم الحرَكي لخروجٍ تدريجي للجيش الاسرائيلي من «بلاد الأرز» بالتوازي مع سَحْبٍ مماثل لسلاح «حزب الله».
وبدا هذا الاختراقُ الذي يُنتظر وَضْع اللمسات الأخيرة عليه في الساعات المقبلة ليتم التنفيذ في الأيام القليلة المقبلة، بمثابة تعبيرٍ عن إصرارِ واشنطن على إخراج حصان مسار التفاوض اللبناني - الاسرائيلي من الحظيرة وتحصينه بترجمةٍ مُدَوْزَنة لمخرجات الصيغة الإطار الثلاثية التي تم توقيعها في العاصمة الأميركية في 26 يونيو، بما يضع عليها «خَتْمَ» الفصلِ عن المسار الإيراني، ولو بمعزل عن احتمالاتِ معاودة الحزب بقرار من طهران تحريك جبهة الجنوب ربْطاً بانفجار أزمة مضيق هرمز التي تُنْذِر بإشعال الحرب مجدداً.
وبعد نحو 3 ساعات من انتهاء اليوم الثاني من مفاوضات روما، نقل موقع «اكسيوس» عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية «أن المحادثات بين لبنان وإسرائيل، اختُتمت بعد يومين من النقاشات المثمرة والإيجابية»، موضحاً «اتفقنا على هيكلية ومبادئ توجيهية لعملية المنطقة التجريبية، والتي سيتم الانتهاء منها وتنفيذها في الأيام المقبلة. سننتقل الآن إلى محادثات تقنية موسعة، ستركز على تنفيذ جميع مجالات الإطار الثلاثي بهدف التوصل إلى اتفاق شامل».
وفيما أفاد مصدر لبناني قناة «الجزيرة» بأن الاجتماع خلص إلى اتفاق في شأن منطقتين تجريبيتين، وأنه سيُعقد اجتماع تكميلي لمفاوضات روما يجمع وفداً عسكرياً لبنانياً وآخر إسرائيلياً برعاية أميركية، نقلت «سكاي نيوز عربية» عن مصادر رئاسية لبنانية «ان الاتفاق في شأن المناطق التجريبية الأخرى في جنوب لبنان سيجري بناء على نجاح التجربة الأولى».
وكشفت وسائل إعلام لبنانية أن الاجتماع العسكري الثلاثي سيعقد افتراضياً، يوم الجمعة، للبحث في التفاصيل العسكرية وتحديد المنطقتين التجريبيتين بشكل نهائي وتاريخ بدء التنفيذ، فيما أوردت قناة lbci أن «المنطقة التجريبية ستشمل مبدئياً زوطر الغربية الواقعة شمال الليطاني التي ينتشر الجيش الاسرائيلي في محيطها ومنطقة اخرى واقعة جنوب الليطاني تشمل مبدئيا فرون الغندورية وصريفا وقلويه وبرج قلويه التي ينتشر فيها الجيش الاسرائيلي ويسيطر عليها».
وإذ جاء هذا الاختراق على وهج إبلاغ ترامب قناة «فوكس نيوز» أنه «سيكون من الجيد ان تقوم اسرائيل بإعادة انتشار في لبنان للتركيز على القضية الكبرى إيران»، مكرراً «ان الرئيس السوري أحمد الشرع سيكون أكثر دقة من الإسرائيليين في التعامل مع حزب الله وأنا أعلم أنه يرغب في القيام بذلك، وهو لن يهدم المباني»، وما نقلته «معاريف» عن مسؤول إسرائيلي من أن المنطقتين التجريبيتين ستُشكّلان اختبارا لقدرات الجيش اللبناني على نزع سلاح الحزب، لم يكن ممكناً استشرافُ كيف سيسلك المسار التنفيذي طريقه المزروع بأشواك رفْض الأخير الاعتراف بمسار التفاوض بين بيروت وتل ابيب ورسمه لا بالخط الأحمر العريض أمام أي إخضاع لملف سلاحه شمال الليطاني لناظمٍ تكون فيه تل ابيب وواشنطن بمثابة «الناظِر»عوض إطار داخلي يصرّ عليه لترسانته خارج جنوب الليطاني وبعد أن تنسحب اسرائيل.
ويعتبر خصوم «حزب الله»، أن هذا ليس إلا سيناريو مكرّراً لشراء الوقت الذي اعتمده الحزب منذ 20 عاماً حين طُرح ملف سلاحه على طاولة الحوار تحت عنوان «الاستراتيجية الدفاعية»، وأن إيران لن تسهّل مهمة نزع ورقة الحزب من يدها والسماح بإخراج «بلاد الأرز» تالياً من «حلقة النار» عبر مسار واشنطن التفاوضي، ولو على حساب حرمان الوطن الصغير فرصةَ «التحرير الثاني» وهذه المرة بالدبلوماسية وقوة الدولة.
وكانت المفاوضات ركّزت في يومها الثاني على سدّ الفجوات لجهة الخلاف في مقاربة «المناطق النموذجية» حيث كان الجانب الإسرائيلي يطالب بأن يبدأ التنفيذ عبر انتشار الجيش اللبناني في مناطق غير محتلة، بينما تمسك الوفد اللبناني بموقفه لجهة المطالبة بأن يبدأ الانسحاب من بلدات محتلة، وهو ما استوجب البحث عن حل وسطي يشمل انتشار الجيش اللبناني في منطقتين في الوقت نفسه، واحدة محتلة والأخرى محتلة على تخومها.
كما أصرّ لبنان على تحديد جدول زمني وشيك لبدء هذه المرحلة، وسعى الى وضع إطار لتسلسل المناطق المتبقية غير المنطقتين النموذجيتين وتحديد نطاق زمني للانسحاب منها، وأن يعقب الانسحاب ليس فقط انتشار الجيش بل عودة الأهالي من المدنيين.
ولم تقل تعقيداً نقطة آلية الانسحاب والتحقق من تفكيك اي بنية عسكرية للحزب في المناطق التي ستصبح محرَّرة من الاحتلال أو من«السيطرة بالنار»، حيث برزت نقطة حساسة تمثلت في إمكان الدخول إلى الأملاك الخاصة، في موازاة إصرار الجانب الإسرائيلي على أن تتولى عملية الإشراف بعد انتهاء الجيش اللبناني من سحب السلاح لجنة تضم إسرائيل والقيادة الوسطى الأميركية وجهة ثالثة تحظى بموافقة تل أبيب و«ليست اليونيفيل».
وقبيل انتهاء المفاوضات، أعلنت مصادر الرئاسة اللبنانية أنّه «تأكد أكثر التقدم الذي تحقّق في المفاوضات وأصبح البحث عملياً وتفصيلاً بآلية التنفيذ المطروحة لإطلاق الصيغة العملية للإطار».
وقالت إن «البحث يتركز على المنطقتين النموذجيتين كبداية للعمل وهما مختلطتان أي منطقة فيها احتلال ينسحب منها الإسرائيلي وأخرى هناك احتلال على تخومها»، لافتةً إلى أنّ«المسألة الثانية هي موعد البدء بتنفيذ المنطقتين النموذجيتين وكل الاستعدادات تتمّ ليكون البدء خلال أيام أو ساعات ويفترض أن يصدر بيان يحدد الموعد ونتمنى ألا يتعدى نهاية هذا الأسبوع».
وأوضحت أنّ «نطاق البحث يتناول التقنيات أي الانسحاب والدخول وهو ما يمكن أن يقتضي عقد اجتماع عسكري آخر قبل التنفيذ».
وأضافت: «بالنسبة الى التحقق يحال على جهة ثالثة ولا مشكلة بعدة صيغ، ونحن منفتحون على التصور الاميركي ولدينا ميل طبيعي أن تتولى التحقق جهات من الأمم المتحدة كاليونيفيل والـuntso وتم البحث بعدد من الاقتراحات من دون بلورة نهائية بعد لأن أي صيغة لأي جهة متحققة تحتاج الى اطار قانوني».
وأكّدت المصادر أنّه «لم يُطلب تفتيش الممتلكات الخاصة بل مطروح ضمن آلية التحقق أن يصار الى احترام القوانين اللبنانية ولا مشكلة تحت هذا السقف»، مشيرة إلى أنّه «حتى الآن لم تتبلور فكرة عن لجان العمل، والفكرة الأولى ان تكون أول لجان تتعلق بالانسحاب الاسرائيلي الكامل وترتيبات ما بعده لكن الآن النقاش يتركز على المنطقتين النموذجيتين».
وأفادت مصادر الرئاسة اللبنانية بأنّ «اي لقاء مع نتنياهو مرفوض تماماً»، مضيفةً ان «زيارة الرئيس عون الى واشنطن ستكون سريعة جداً وستشمل لقاء ترامب وعدد من المسؤولين ربما».
وكان عون أعلن أمام زواره «ان ما نقوم به لمواجهة الحرب، لا بديل له بعد ان جربنا كل شيء بما فيه الحرب التي لم تؤد الا الى المآسي والدمار والتهجير».
وأعلن أن«خيار التفاوض قد لا يكون الأسلم، ولكنه حالياً الوحيد للوصول الى النتائج والاهداف التي نرغب بها جميعاً، و(صيغة الاطار) بدأت تعطي مفاعيلها، وواشنطن باتت تصغي الينا، وملف لبنان على طاولة الرئيس دونالد ترامب».
ودعا عون الجميع الى«قراءة بنود صيغة الاطار كما هي، وليس كما يتم الترويج لها من البعض لغايات شخصية»، مشيراً إلى أنها «تؤمّن مصالح لبنان وتصب في خانة الاهداف التي يجمع عليها اللبنانيون».
وقال «من واجبي كرئيس أن أقوم بكل المحاولات لإنقاذ بلدي وشعبي، ولا يمكنني ان اقف متفرجاً على دمار البلد وقتل المواطنين، او ان ادع أحداً يفاوض عن الدولة اللبنانية التي تتمتع بسيادتها».