أبعاد السطور

«إحنا بتوع الأتوبيس»!

14 يوليو 2026 10:50 م

«الهدف من صنع فيلم، ليس صنع عمل جيد أو رديء. الهدف هو أن تتعلّم منه الكثير».

صانع الأفلام ألفونسو كوارون.

في تاريخ السينما العربية، هناك أعمال لا تُشاهد لمجرد المتعة، بل تُستحضر كوثائق حيّة تختزن الألم الإنساني وتعيد فتح جراحٍ لم تندمل.

ومن بين هذه الأعمال يبرز فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس»، الذي أُنتج عام 1979، بوصفه أحد أهم الأفلام التي وثّقت مرحلة شديدة القسوة في تاريخ مصر الحديث.

يحكي الفيلم عن حقبةٍ مظلمة، كانت تُستباح فيها كرامة الإنسان، وتُهدر فيها إنسانيته داخل أقبية السجون، لم يكن العمل مجرد سردٍ درامي، بل كان انعكاساً لواقعٍ مؤلم، حيث امتزجت الحقيقة بالفن حتى أصبح التفريق بينهما عسيراً.

ومن أكثر المشاهد قسوةً في الفيلم، ذلك المشهد الذي يكاد يعجز الوصف عن احتواء بشاعته. مشهدٌ مأخوذ من واقعة حقيقية، تُروى تفاصيلها بمرارة: زوجة أحد المعتقلين في السجن الحربي، تصطحب ابنتها لزيارة والدها.

لحظة يفترض أن تكون إنسانية، تحمل شيئاً من الحنين أو العزاء، لكنها تحوّلت إلى صدمةٍ تفوق الاحتمال.

أحضر السجّانون الرجل، لكن ليس كما يُحضر البشر. كان مربوطاً من عنقه بسلسلة حديدية، يمشي على يديه ورجليه، وينبح كما تنبح الكلاب.

لم يعد إنساناً في أعين جلاديه، بل كائناً مُهاناً منزوع الكرامة. وقف أمام زوجته وابنته خلف القضبان، يتبادل معهما نظراتٍ تختلط فيها الحسرة بالانكسار، دون أن يستطيع أن ينطق بكلمة مفهومة... سوى النباح.

ذلك المشهد لم يكن خيالاً سينمائياً محضاً، بل واقعة حقيقية نقلتها زوجة الشخص المعتقل بنفسها. فقد كانت جارة للفنان عبدالمنعم مدبولي، وطرقت بابه ذات يوم وهي في حال انهيار، لتروي له ما حدث مع زوجها داخل السجن الحربي، في قصةٍ تختصر حجم المأساة التي عاشها كثيرون في تلك الفترة.

وكان يدير السجن الحربي آنذاك اللواء حمزة البسيوني، الذي ارتبط اسمه بالعديد من روايات التعذيب والانتهاكات.

حكاياتٌ كثيرة نُقلت عنه، يطغى عليها العنف وانعدام الرحمة، حتى أصبح رمزاً لمرحلةٍ وُصفت بأنها من أكثر الفترات قسوةً في تاريخ السجون.

وفي سياق هذا السرد، نستحضر قوله تعالى:«وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ». سورة إبراهيم، الآية 42.

وكأنّ هذه الآية خلاصةٌ أخلاقية لتلك المرحلة بكل ما فيها من ظلمٍ وألم.

أما نهاية حمزة البسيوني، فقد جاءت على نحوٍ مأسوي لافت.

ففي يوم 19 نوفمبر عام 1971، الموافق لأول أيام عيد الفطر، كان في طريقه من الإسكندرية إلى القاهرة برفقة شقيقه، حين اصطدمت سيارته بسيارة نقل على الطريق الزراعي، ما أدى إلى وفاتهما معاً؛ وقد ورد خبر وفاته في جريدة الأهرام في اليوم التالي، دون ذكر تفاصيل إضافية عن طبيعة الإصابات.

وفي رواية لاحقة نُشرت بعد ذلك بسنوات، ذكر الكاتب ثروت الخرباوي، في مقال له بعنوان «لنسفعاً بالناصية» نُشر في جريدة «المصريون» عام 2009، نقلاً عن شهادة منسوبة إلى المستشار خيري يوسف، أن السيارة التي اصطدمت به كانت محمّلة بأسياخ الحديد، وأن هذه الأسياخ اخترقت جسده وتسبّبت في تشوّه بالغ.

وهي رواية متداولة في عدد من المصادر اللاحقة، لكنها لا تظهر في الخبر الصحافي المعاصر للحادث.

هكذا يبقى فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس» أكثر من مجرد عملٍ فني، بل هو شهادةٌ مؤلمة، ومرآةٌ لزمنٍ كانت فيه الإنسانية تُسحق تحت وطأة القمع، وتذكيرٌ دائم بأن ما يُروى ليس دائماً خيالاً، بل أحياناً هو واقعٌ يفوق الخيال قسوةً!

السينما ليست تسلية فقط... بل طريقة لفهم الزمن، الإنسان، والواقع بطريقة أعمق من الحياة نفسها.