الرأي اليوم

رحيل... سابق عصره

12 يوليو 2026 09:32 م

لم يكن الشيخ حمد بن خليفة حاكماً عادياً لدولة قطر. أو حاكماً عادياً في أي دولة. حفر اسمه كرائد لأكبر التحولات في التاريخ العربي الحديث، وهذه التحولات حوّلت الشقيقة قطر إلى واحدة من أكثر الدول التنموية في وقت قياسي وجعلتها لاعباً إقليمياً وعالمياً رغم صغر مساحتها.

كلما كنت ألتقيه، رحمة الله عليه، كان يشرح لي معادلة الارتباط بين الاستفادة المُثلى من كل مقدرات الدولة لخدمة كل قطري، وبين الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول متجاوزة حجمها الجغرافي إلى الرؤية وفلسفة الإدارة والعلاقات. «بكل بساطة، هناك من يحتاج إلينا بسبب ما حبانا الله به من ثروات وعلينا تحويل التعاون الاستثماري الاقتصادي إلى سلاح يخدم دولتنا وأمتنا وقضايانا»، كان يشرح هذا التوسع العالمي في العلاقات بعبارة قصيرة مثل التي ذكرها.

هو المميز في كل شيء، في إدارته للتقارب وحتى في إدارته للاختلاف.

في التركيز على تحويل قطر عملاقاً اقتصادياً ومتابعته الشخصية اليومية لعمل الوزراء خصوصاً في قطاعات الطاقة.

في تأسيس أهم قطاعات مصرفية وأخرى تتعلّق بالطيران المدني وثالثة تتعلّق بالصناعات النفطية.

في إلغاء وزارة الإعلام ضمن أولى القرارات التي اتخذها عند تسلّمه الحكم وكانت سابقة في العالم العربي... بل مفاجأة للكثيرين.

في إطلاق مرحلة سياسية إعلامية غير مسبوقة في المنطقة، يقول عنها إنها كانت تأخذ من اجتماعاته مع أقرانه وقتاً أكثر من الوقت المخصّص للاتفاقات والتعاون.

في اعتماد نهج الخطاب العفوي الصريح بين الحاكم والمحكوم من جهة وبين الحاكم وأقرانه العرب والأجانب من جهة أخرى.

في إعلان الموقف القوي حتى لو لم يعجب ذلك البعض... وفي تراجعه العفوي المباشر عن أي تعبير قد يكون فهم خطأ.

في تركيزه على التعليم والتكنولوجيا الحديثة وجذب أرقى المؤسسات الدولية الى الدوحة. وليس سراً أن التعليم كان همّاً أساسياً لديه، وهو كان الداعم الأساسي لحرمه المصون وأبنائه وبناته لإدارة شبكة واسعة من الاتفاقات والتعاقدات لنهضة التعليم.

في السعي غرباً وشرقاً لخدمة قطر في كل المجالات، وإعلاء اسمها في كل المحافل. ومن ينسى كيف قاد الطريق الوعر للحصول على استضافة بلاده لكأس العالم لكرة القدم كأول دولة خليجية وعربية ووقف يصفق مع أسرته عند إعلان النتيجة وفرحة العالم كله لم تسعه.

في طريقة نقل السلطة إلى ابنه الأمير تميم، وهو في كامل صحته وقدراته على استكمال مسار القيادة.

في البقاء داخل دائرة الحكم موجهاً ناصحاً مقدماً عصارة خبرته.

التقيت الراحل مرات كثيرة. اللقاء الأول كان بصفة إعلامية، واللقاءات التي تلته من باب الصداقة الذي يحرص على عدم إغلاقه مع أي كان حتى لو اختلف الأصدقاء معه في الرأي.

لديه قناعات ثابتة راسخة من مجمل القضايا العربية والإسلامية، ولديه مرونة غير طبيعية في ترجمة هذه القناعات، وجرأة غير مسبوقة في خوض التجارب لتحقيق هدف سياسي أو إنساني هنا وهناك.

اللقاء الأخير بيننا كان على العشاء في قصره قبل فترة. هو هو، لم يتغيّر وإن بدا متعباً قليلاً. ذاكرة حديدية. استرجع فيها لقاءات سابقة ونقاشات دارت وأعاد ترتيب نتائجها لاستخلاص العِبر: «هنا وفقنا الله. وهنا حالت الظروف دون التوفيق، وهنا كدنا نصل إلى اتفاق تاريخي لولا التطورات التي حدثت، وهنا كان يمكن أن تُدار المسائل بأسلوب مختلف»... ذهن متقد يسترجع معه محطات كثيرة. يضحك عندما أقول له إن القطريين يسمونك «دفان الفقر» فيرد: ليتني أدفن الفقر في كل مكان، المفارقة أننا كنا نعوم على خير لقطر والقطريين أحتاج فقط إلى بوصلة للتوجيه.

خلال العشاء الأخير معه، وصلته على الآيباد الذي يحمله دائماً رسالة نصية تفيد باستشهاد فلسطينيين عزل برصاص الإسرائيليين. لم يستطع مغالبة الدمع قائلاً: «والعجز قهر أيضاً».

رحمك الله يا باني قطر الحديثة. والعزاء بأن النهج مستمر مع الأمير الشاب تميم بن حمد، الذي نهل من حكمتكم ورؤيتكم وأضاف حيوية الشباب على مسار الحكم.