دراسة ترصد خرائط الخصومة والألفة الاجتماعية

العداوة أعمق من الصداقة في الدماغ البشري

8 يوليو 2026 10:50 م

حين نشاهد عملاً درامياً، نبدأ تلقائياً برسم خريطة ذهنية لشخصياته: من يتحالف مع من؟ ومن يقف في الجهة المقابلة؟ وأين تكمن بؤر التوتر بينهم؟ لكن السؤال الذي ظل يشغل الباحثين هو كيفية تنظيم الدماغ لهذه الشبكة المعقدة من التحالفات والخصومات.

وقد كشفت دراسة حديثة أجراها فريق بحثي من جامعة أوساكا اليابانية أن شبكة علاقات العداوة والنزاعات والخصومات تُحفر بعمق أكبر في النشاط الدماغي مقارنة بعلاقات الصداقة، في نتيجة تشير إلى أن الدماغ يبني «خريطة اجتماعية» متعددة الأبعاد انطلاقاً من التجارب السردية، وتلعب فيها الخصومات دور المرتكزات القوية التي تُبنى حولها هذه الخريطة.

طلب فريق البحث من واحد وعشرين طالباً جامعياً مشاهدة ست حلقات من مسلسل تلفزيوني، وخضع المشاركون لتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي قبل المشاهدة وبعدها، بينما كانوا ينظرون إلى وجوه ثماني شخصيات رئيسية في العمل. وبعد انتهاء المشاهدة، طُلب من المشاركين تقييم كل زوج من الشخصيات من حيث قوة العلاقة بينهما، وما إذا كانت هذه العلاقة ودية أم عدائية الطابع. ثم قارن الباحثون هذه التقييمات بأنماط النشاط الدماغي باستخدام أسلوب «تحليل التشابه التمثيلي».

وأظهرت النتائج تبايناً لافتاً؛ إذ انعكست العلاقات العدائية بوضوح شديد في منطقتين دماغيتين محددتين هما التلفيف فوق الحافي الأمامي الأيسر، المرتبط بمعالجة التأثر الاجتماعي والتعاطف وحدود منظور الآخر، والقشرة الجبهية الأمامية الإنسية اليمنى، وهي المحور الأساسي للمعرفة الاجتماعية وقراءة نوايا الآخرين. في المقابل، لم تُظهر العلاقات الودية أي تأثير ذي دلالة إحصائية بحسب المعايير التحليلية ذاتها.

وأوضحت الباحثة تامامي ناكانو، التي أشرفت على الدراسة، أنه حين نتخيل خريطة شخصيات عمل درامي ما، فإن انتباهنا لا ينصبّ فقط على من هو قريب منا، بل أيضاً على من هو في حالة صراع معنا، وأن هذه الدراسة تثبت أن هذا الفهم الاجتماعي الفطري ينعكس فعلياً في الدماغ.

ويفسر الباحثون هذه النتيجة من منظور تطوري، إذ إن تتبع الأعداء أكثر أهمية للبقاء من تتبع الأصدقاء؛ فالحلفاء يتسمون بالثبات والأمان، مما يجعلهم يتطلبون قدراً أقل من الموارد الذهنية النشطة للمراقبة، بينما يمثل المنافسون والخصوم تهديداً اجتماعياً وجسدياً مباشراً. وبذلك يعمل الدماغ أشبه بنظام أمني، يمنح الأولوية للاحتكاك الاجتماعي ويستخدم النزاعات كمرتكزات معرفية ثقيلة لبناء خريطة دقيقة ومفصّلة عمّن يشكل خطراً على من.

وفي ما يتعلق بالأبعاد التطبيقية لهذه النتائج، تبرز عدة اتجاهات محتملة يمكن إيجازها كما يلي:

• تعميق الفهم العلمي لكيفية استيعاب الروايات والأعمال السردية، ولطبيعة المعرفة الاجتماعية لدى الإنسان بشكل عام.

• فتح آفاق جديدة أمام أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقبلية القادرة على استنتاج العلاقات الإنسانية بدقة أكبر، إذ يمكن لمهندسي البرمجيات تصميم أنظمة تعطي الأولوية لتتبع التوتر والخصومة على غرار ما يفعله الدماغ البشري، بدلاً من الاكتفاء بحساب عدد الروابط أو المتابعين كما هو معمول به حالياً في تحليل الشبكات الاجتماعية الرقمية.

• إثراء فهم الباحثين لديناميكيات المشاركة الترفيهية، ولطريقة تفاعل الجمهور مع الأعمال الدرامية المعقدة اجتماعياً.

ونُشرت نتائج هذه الدراسة، التي أعدها كل من إيساتو تشيكازاوا وريو إيشيباشي وتامامي ناكانو، في مجلة «Communication Psychology»، وأشارت الدراسات السابقة في هذا المجال إلى أن الأبحاث العصبية حول الشبكات الاجتماعية كانت تركز تقليدياً على عدد الروابط أو موقع الفرد داخل المجموعة، متجاهلة الحمولة العاطفية العميقة التي تحملها العلاقات الإنسانية الحقيقية، من ثقة وصداقة إلى منافسة وعداء. وتأتي هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة، مؤكدة أن الدماغ البشري لا يكتفي برصد الروابط، بل يبني نظاماً إحداثياً كاملاً للتفاعل الاجتماعي يتمحور حول نقاط الاحتكاك والصراع.