سجل المهاجم المخضرم روميلو لوكاكو، الهدف الرابع لبلجيكا في مرمى الولايات المتحدة في لقاء المنتخبين ضمن ثُمن نهائي كأس العالم 2026 لكرة القدم في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، فاحتفل بتقليد رقصة شهيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
تأهلت بلجيكا الى الدور ربع النهائي بفوزها الكبير 4-1، وضربت موعداً ساخناً مع إسبانيا، فيما باتت الولايات المتحدة آخر مضيفي البطولة الذين يودعون منافساتها، ولكن بطريقة وصفتها صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية بـ«المذلّة».
لا يحتاج الأمر الى الكثير من الشرح والتفسير، لوكاكو، كان يشير في رقصته هذه إلى تدخل الرئيس الأميركي لرفع الإيقاف عن مهاجم منتخب بلاده فولارين بالوغون، الذي كان قد طُرد في المباراة السابقة أمام البوسنة والهرسك ببطاقة حمراء مباشرة وبات عليه أن يغيب عن مواجهة بلجيكا.
استجاب الاتحاد الدولي للعبة «فيفا»، أو انصاع كما رأى الكثيرون، لطلب ترامب، وبحث في أدراجه عن ثغرة تتيح رفع الإيقاف، وهو ما كان، ليشارك اللاعب في مباراة فجر الأمس في سياتل، ولكن من دون أيّ تأثير.
ولم يفوّت حساب المنتخب البلجيكي على مواقع التواصل الإلكتروني الفرصة، فنشر صورتين للوكاكو، مرفقتين بعبارة «الغ هذا»، في إشارة تهكمية إلى أن ردّ البلجيكيين على تدخل ترامب وقرار «فيفا» أتى في الملعب، فهل يمكن لهما إلغاءه أيضاً؟
لم تكن كأس العالم بمنأى أبداً عن التدخل السياسي بل لطالما استخدمت حكومات هذه البطولة لأغراض دعائية ولتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
قبل الحرب العالمية الثانية، كان التدخل السياسي حاضراً بقوّة في كأس العالم، ففي النسخة الثانية 1934 في إيطاليا استغل الديكتاتور بينيتو موسوليني، البطولة للترويج والدعاية للفاشية وكان يتدخل بصورة مباشرة لتسهيل فوز إيطاليا باللقب، فيما جاءت النسخة التالية في فرنسا قبل عام من اندلاع الحرب العالمية وكانت ارهاصات الحرب واضحة على البطولة، فانسحب منتخب النمسا بعد احتلالها من قبل ألمانيا النازية وتم إجبار العديد من لاعبيه على اللعب تحت قميص المنتخب الألماني وإلزامهم بأداء التحيّة النازية.
وواصل موسوليني، ابتزازه للبطولة والمنتخب الايطالي ومازالت برقيته للاعبين قبل المباراة: «الفوز أو الموت» تدوي حتى اليوم.
وبعد الحرب العالمية، تراجع «الابتزاز السياسي» لكأس العالم بصورة ملحوظة وان عاد بصورة أقل في مونديال ألمانيا الغربية 1974 بلقاء نادر، قيل أنه كان مُرتباً في القرعة، جمع الفرقاء ألمانيا الغربية صاحبة الأرض وشقيقتها الشرقية.
وفي سبعينات القرن الماضي أيضاً، صُدم العالم بصعود الحكم العسكري بقيادة الديكتاتور خورخي فيديلا، إلى الحكم في الأرجنتين التي كانت تستعد لاستضافة مونديال 1978.
ورغم تحذيرات «فيفا» للسلطة هناك، اعتبر فيديلا، كأس العالم أفضل فرصة لتبييض سمعته الدولية وإلهاء الشعب المولّع بكرة القدم والتغطية على الجرائم المروّعة التي ارتكبها نظامه وسُميت وقتها بـ«الحرب القذرة» اختفى خلالها أكثر من 30 ألف معارض، كما أثار الفوز الكبير للأرجنتين على بيرو 6-0 والذي ضمن لها التأهل للنهائي بفارق الأهداف عن البرازيل ومن ثم تحقيق اللقب، الكثير من الأقاويل حول وجود صفقة سياسية - اقتصادية بين حكومتي الأرجنتين وبيرو برعاية وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر.
وبعد عقود من محاولات العبث والتربح السياسي في كأس العالم، أعاد الرئيس الاميركي ترامب، جدلية التدخل في مجريات أمجد البطولات، حتى قبل أن تنطلق بدءاً من منع المنتخب الإيراني من الإقامة في الولايات المتحدة التي كان يخوض فيها مبارياته، ومروراً بوضع قيود مشددة على دخول أعضاء الوفود المشاركة وجماهيرها قبل أن يقحم البيت الأبيض نفسه في مسألة طرد وإيقاف اللاعب بالوغون.
تأكيد ترامب، بأنه لم يُملِ على «فيفا» قرارات، بل طلب فقط مراجعة البطاقة الحمراء التي تلقاها مهاجم المنتخب، واصفاً قرار الحكم بأنه كان «سيئاً للغاية»، ومعتبراً أن تدخله لضمان مشاركة أفضل اللاعبين في المباريات الحاسمة هو «قرار ذكي»، لم يخفف من وطأة ما حدث ووضع الاتحاد الدولي ورئيسه السويسري جياني إنفانتنيو، في مرمى انتقادات حادة أعادت إلى الواجهة ملف علاقة الرئيسين ببعضهما وتأثير ذلك على البطولة.
الحنق الدولي على ثنائية «ترامب- إنفانتينو» لخصها أحد أهم الشخصيات الكروية في العالم، المدرب الألماني يورغن كلوب، بعبارة مقتضبة، ولكن مؤثرة: «هذه لعبتنا وليست لعبتهما»، معتبراً أن مثل هذه التدخلات تمس جوهر اللعبة وتهدد استقلالية القرارات الرياضية.