في مشهد يزداد تعقيداً وتشابكاً، تقف غزة والجبهة الإسرائيلية الداخلية على حافة الهاوية، وسط حسابات باردة ورهانات مصيرية. فبين أزمة وجودية تعصف بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وضغوط سياسية انتخابية تحركها مصالح شخصية ضيقة، ومحاولات «حماس» كسر الجمود، يبدو المشهد برمته وكأنه يمهد لمواجهة جديدة تحمل في طياتها تداعيات إقليمية ودولية كبرى.
يكشف التقرير استناداً إلى مصادر إسرائيلية وأميركية موثقة، النقاب عن واقع الجيش الإسرائيلي الذي ينهشه العجز، وعن الإستراتيجية الانتخابية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، التي تجعل من العودة إلى الحرب ورقةً رابحة، وعن المواقف المتطورة للحركة التي باتت تبحث عن مخارج، في ظل لعبة أميركية معقدة يسعى خلالها الرئيس دونالد ترامب، لإعادة ترتيب أوراق الشرق الأوسط.
أزمة وجودية تهدد «الجيش الذي لا يُقهر»
في تقرير لافت بعنوان «يا زمير اصحى»، يرسم الكاتب والمحلل العسكري آفي أشكنازي، صورة قاتمة لمستقبل الجيش الإسرائيلي، حيث يكشف أن المؤسسة العسكرية تعاني نقصاً حاداً في صفوفها يقدّر بـ 12 ألف مقاتل، وسط تجاهل سياسي فاضح لقوانين التجنيد والاحتياط.
ويُشير إلى حقيقة صادمة تتمثل في أن 2 في المئة فقط من سكان إسرائيل هم من يتحملون وحدهم عبء القتال المستمر منذ ثلاث سنوات، وهم أنفسهم الجنود الذين يُستنزفون في جبهات متعددة، في مشهد يرقى إلى الإرهاق المنهجي.
عجز يلوح في أفق الجيش
إلى جانب الأزمة البشرية، تعصف بالجيش أزمة مالية خانقة، تتمثل في عجز مريع يتراوح بين 40 إلى 50 مليار شيكل، في ظل قتال متواصل لا هوادة فيه، ومهام تتسع وتتعقد دون أن تمتلك المؤسسة العسكرية مقدرات لا نهائية، ما يجعلها أمام اختبار حقيقي لبقائها وهيمنتها.
«حان وقت الضرب على الطاولة»
لم يتردد أشكنازي، في توجيه انتقاداته إلى قيادة الجيش، متوجهاً إلى رئيس الأركان أيال زمير، بعبارات حادة: «لقد حان الوقت لرئيس الأركان أن يصحو، أن يضرب الطاولة ويقول كلمته»، محمّلاً القيادة المسؤولية فشلها في معالجة الأزمة، تاركة المقاتلين المنهكين في حالة غموض مرير حول مستقبلهم، دفع بعضهم إلى التفكير في الهجرة أو الالتحاق بالدراسة في الخارج هرباً من واقع لا يبشر بخير.
الرؤية الإستراتيجية المعاكسة
في تناقض واضح مع الصورة المتشائمة، يطرح العميد احتياط تسفيكا حايموفيتش، رؤية مختلفة، معترفاً بأن إسرائيل حققت تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً وتكنولوجياً واضحاً في المواجهات الأخيرة، لكنه يُطلق تحذيراً إستراتيجياً مهماً: «في تاريخ الحروب، النصر العسكري لا يُترجم دوماً إلى نصر سياسي»، ويشير إلى أن إيران، رغم الضربات الموجعة، نجحت في الحفاظ على نظامها وترويج رواية الصمود، بينما تقف إسرائيل عاجزة عن ترجمة انتصاراتها العملياتية إلى إنجازات سياسية مستدامة.
ويدعو إسرائيل إلى «قلب الصورة» والمبادرة بخطوات سياسية جريئة، بدلاً من التمسك بأهداف غير قابلة للتحقق كـ«نزع سلاح حماس»، والعودة إلى حرب جديدة باسم أهداف واهية.
نتنياهو والبيت الأبيض
يكشف المحلل السياسي البارز عاموس هرئيل، في «هآرتس» عن أبعاد اللقاء المرتقب بين نتنياهو، وترامب، مشيراً إلى أن كل تحركات رئيس الحكومة تحمل طابعاً انتخابياً بحتاً، هدفه الأول والأخير هو اجتياز الانتخابات القادمة، حتى لو كان الثمن هو استئناف الحرب في غزة.
الحرب كآخر أوراق النجاة
ويثبت هرئيل، أن نتنياهو، حرص طوال الحرب الحالية على إطالة أمدها، لخلق حالة طوارئ مستمرة تتيح له البقاء في الحكم، مع تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي.
ويشير إلى أن ترامب، الذي فرض وقفاً تاماً لإطلاق النار في إيران وشبه تام في لبنان، قد يسمح لنتنياهو، بإشعال القتال مجدداً في غزة، حيث يجد رئيس الحكومة ذريعته المنتظرة، رافضاً أي خطوة حماس نحو المرونة.
تجاهل إسرائيلي متعمد لإعلان «حماس»
ويكشف هرئيل، أن إسرائيل وصفت إعلان الحركة عن تفكيك حكومتها في القطاع ونقل السلطات إلى لجنة تكنوقراط بأنه مجرد «مناورة»، وواصلت منع أعضاء اللجنة من دخول القطاع، في تأكيد على أن إسرائيل ليست معنية بأي حل سياسي طالما أن الانتخابات تلوح في الأفق.
الجمود المُحبط
يرسم ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان، مشهداً للجمود المحبط الذي يسيطر على غزة منذ انتهاء الحرب في أكتوبر الماضي، حيث إسرائيل متمركزة على «الخط الأصفر» وتشن هجمات متواصلة، لكن حماس لاتزال القوة المهيمنة رغم عمليات الاغتيال وتآكل سيطرتها على الأرض.
ويكشف عن محاولات الوسطاء الثلاثة - قطر وتركيا ومصر - لترويج صيغة تسوية جديدة تقوم على نزع سلاح جزئي وتدريجي لحماس، ونقل السلطة إلى حكومة تكنوقراطية، مع الإبقاء على نفوذ الحركة على غرار نموذج «حزب الله» في لبنان.
في المقابل، يصر نيكولاي ملادينوف، ممثل ترامب، في غزة، على نزع السلاح الكامل، ما دفع الوسطاء إلى اتهامه بعدم الحياد وتمثيل الأجندة الإسرائيلية.
ترامب الحَكِم النهائي
ويخلص ميلشتاين، إلى أن إسرائيل قد تواجه قريباً ضغوطاً متزايدة لقبول تسوية لا تلبي كل مطالبها، وأن ترامب، الذي يُجري عملية «إغلاق» للأزمات في الشرق الأوسط، قد يصل إلى قناعة بأن إصرار نتنياهو، على استخدام القوة من دون أساس سياسي يُلحق ضرراً بإسرائيل أكبر من نفعه.
إعلان «حماس»
يقدّم جاكي خوري، المتخصص في الشؤون الفلسطينية، قراءة نقدية لإعلان حماس حل لجنة الطوارئ الحكومية، معتبراً أنها خطوة سياسية بامتياز، تهدف إلى كسر الجمود وإرسال رسائل داخلية وخارجية بأن الحركة مستعدة للتنازل عن إدارة القطاع مدنياً. لكنه يختم تحليله بواقعية مرة قائلاً إن «كل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل ستتجاهل هذا الإعلان، ولن تلتزم بأي خطوة جوهرية، لأسباب انتخابية في مقدمتها، وستضع مجدداً نزع سلاح حماس كشرط لأي تحرك، فيما تواصل الولايات المتحدة إظهار اللامبالاة».
ويؤكد أن إعلان حماس سيظل خطوة متقدمة لكنها عقيمة، طالما أن إسرائيل تُصر على القضاء على الحركة والسيطرة على القطاع، في غياب تسوية دولية وخطة عملية واضحة.
نقاط جوهرية تحدد المسار المقبل
تُجمع المصادر الإسرائيلية والأميركية على ست نقاط حاسمة تشكل ملامح المرحلة القادمة:
- الجيش الإسرائيلي يعاني أزمة وجودية في القوى البشرية والميزانية، مع إرهاق ممنهج للمقاتلين الذين يشكلون أقلية تتحمل وحدها عبء الأمن الوطني.
- نتنياهو يُرهن مصير البلاد بمستقبله الانتخابي، والعودة إلى الحرب في غزة هي ورقة الرابحة لإطالة حالة الطوارئ وإبقاء الأجندة الأمنية في صدارة النقاش العام.
- ضغوط متزايدة على إسرائيل لقبول تسوية في غزة تقوم على نزع سلاح جزئي وتدريجي، ونقل السلطات المدنية إلى حكومة تكنوقراط، على غرار نموذج حزب الله.
- حماس تسعى لكسر الجمود بإعلانات مرونة، لكنها تبقى رهينة الرفض الإسرائيلي والأميركي الجزئي.
- ترامب، يمسك بزمام الحل النهائي، ويبدو أنه يميل لإغلاق ملف الأزمات في الشرق الأوسط، ما قد يدفعه لفرض تسوية على إسرائيل رغم محاولات نتنياهو التأثير عليه.
- السلطة الفلسطينية تغيب عن المشهد، وتخشى من نجاح نموذج لجنة التكنوقراط في غزة، خوفاً من امتداده إلى الضفة الغربية وتهديد مستقبلها السياسي.
غزة على مفترق طرق
في خضم هذا المشهد المأزوم، تقف غزة وإسرائيل على مفترق طرق مصيري، حيث تتقاطع المصالح الانتخابية الضيقة لنتنياهو، مع الضغوط الأميركية المتزايدة للتوصل إلى تسوية، في وقت تحاول فيه حماس البقاء في المعادلة، وسط أزمة داخلية إسرائيلية غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية.
إن الرهان على الحرب كورقة رابحة قد يكون أقصر الطرق إلى الهاوية، فجيش منهك، ومجتمع منقسم، وإدارة أميركية تبحث عن إغلاقات سريعة، وحركة مقاومة تبحث عن مخرج، كلها عوامل تدفع نحو انفجار وشيك، ما لم تتغير الحسابات وتُفضي الرؤى الضيقة إلى حلول سياسية واقعية تعيد للحياة في غزة أملها، وتجنب المنطقة برمتها تداعيات حرب جديدة لا تعرف الرحمة.